رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وفى ساحة القضاة: مباراة الموت والحياة

رأينا فيما سبق أن الدعوى الجنائية حدد لها ميقات معلوم لنظرها، وهو يوم الفصل ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، ورأينا المواجهة بين طرفى النزاع، الادعاء وتمثله النيابة العامة وهى الخصم الأمين فى الدعوى ممثلة للمجتمع، وأمامها المحامى المدافع عن المتهم، وعلى منصته القضاء يتبوأ العرش القضاة فى مقعد صدق وفوقهم مسطور الآية الكريمة.

«وإذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل»

وتبدأ النيابة فى قراءة وثيقة الاتهام ونصوص القانون ويبدأ فى سرد وقائع الدعوى وبيان عناصر الثبوت فيها وكما عبر فقهاء القانون الجنائى بصدق:

أن الادعاء «النيابة العامة» يراها مباراة أمام الدفاع، وإذ ينتصر يظفر برأس المتهم... ومن جانبه وفى صوت هادئ فى البداية صارخاً فى عرض مواد الاتهام والرد عليها، إنه يصرخ: لا تقتلوا الإنسان باسم القانون، و الرحمة فوق العدل والعدل فوق القانون. ونواصل الحديث عما يدور فى الصراع ما بين النيابة العامة من جانب، والدفاع عن المتهم فى الجانب الآخر.

وفى حماسه المعهود والمتوارث يقف ممثل النيابة فى خيلاء وبصوته الجهورى تارة والهادئ تارة أخرى حسب مخارج الألفاظ، الاتهام فى أبشع وأقسى وأقصى صورة، مفنداً مود الاتهام مادة بعد مادة، ويوجه حديثه الصاخب الى القضاة لاستمالتهم الى ما يقول «فهم حراس العدالة».

ويبدأ يصب جام غضبه على المتهم الماثل، فهو ـ فى نظره ـ قاتل بشع، ارتكب جريمة اهتزت لها السماوات السبع، ووجوده خطر لا محالة على المجتمع والتخلص منه «فضيلة».

وينهى خطابه الثورى الغاضب، وينادى بأعلى صوته: القصاص القصاص، النفس بالنفس والرأس بالرأس، أقصى العقوبة، العقوبة العظمى هى جزاء وفاق  لـ «أمثاله». قولوها فى وجهه ولتسمعها آذان المجتمع ـ المجتمعين ـ كله ،قولها: «ولا تأخذكم به رحمة ولا شفقة، وليذهب وأمثاله من القتلة الى أبواب الجحيم».

إذن مرافعة تقليدية ومكررة السطور،ومكتوبة عن أى متهم ،عن متهم مجهول وفى مثله تقال تلك العبارات من لهب، وجرت العادة ان يختار رجال النيابة «عبارات ذات رنين وتحدث ضجة» يرددونها فى كل المناسبات، ويأتى على الوجه الآخر، دور الدفاع عن المتهم هنا يستيقظ المتهم ـ للمرة الأولى ـ من غفلته وأحلامه ومنامه، ويبدأ فى الاستماع جيداً، بعد العذاب الذى سقط عليه جسداً وروحاً من وقع سياط الاتهام.

فى هدوء مطلق يبدأ الدفاع يمشى على صراط آخر، ويبدأ الحديث هادئاً فى غير انفعال، وهو الذى عرف المتهم حقاً وعن قرب، وجلس معه الأيام الطويلة، واستعد ليوم النزول ويوم الفصل بكل ما أوتى من حجج وبراهين وأدلة تثبت براءة المتهم الذى يتولى أمر الدفاع عنه، ومهمة الدفاع ـ ليعلم الجميع الحاضر والغائب ـ أنها مهمة دقيقة وعسيرة وتتطلب: «ضميراً حياً، وحذقاً فى فنون المهنة».،

وصفات المحامى الجيد، المؤهل للدفاع عن «الحقيقة» فى بيته الحقيقى، بيت العدالة:

الحماس أولاً والحماس ثانياً والحماس ثالثاً... الحماس بأن يكون مؤهلاً ليوم النزال والوقوف فى وجه كل ما قيل ويقال، نقتطف بعض هذه الصفات:

الهدوء المطلق، امتصاص غضب ثورة الاتهام، محاولة تقريب المتهم من «عيون» القضاة، ثم تأتى الملامح الأخرى لتملأ الصورة روعة وقدرة وبياناً.

لنقل منها: البلاغة الأخاذة ـ الفصاحة ـ فصاحة القول واللسان ـ ان يكشف فى وضوح وحيثيات مرتبة حيثيات ما يقول سرداً جميلاً ويضرب فيها الأمثال، يغير من «الجو المأساوى» الذى ساد القاعة، الى مثل هنا أو حكاية ـ فى الصميم ـ لها نسب بالدعوى وقرابة، ويصل من ذلك كله لأن يأخذ بجماع القلوب ويستولى على الألباب.

ونواصل المسيرة القانونية فى ظل العدالة الظليل.