رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

كذب المفكرون.. ولو صدقوا!

كان الدرس الأول الذى تعلمته فى السنة الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1981 من الدكتور فاروق يوسف- رحمه الله- ضمن مادة العلوم السلوكية أن السلوك الإنسانى يصعب التنبؤ به. بعد ذلك ومع تقدمى فى دراسة مقررات العلاقات الدولية والتنظيم الدولى كان الدرس الثانى أن وظيفة العلم، باعتباره كذلك، هو تجاوز ما يصعب تجاوزه وأنه على هذا الأساس تم تدشين ما يعرف بنموذج «المحاكاة» كمحاولة للتنبؤ بهذا السلوك، وهو النموذج الذى يقوم على العمل على خلق بيئة تتطابق مع بيئة الخصم فى الغالب للتوصل إلى رد فعله المتوقع بشكل أقرب إلى الدقة. وكان الدرس الثالث الذى توصلت إليه شخصياً فيما بعد أن الدول والشعوب ينطبق عليها ما ينطبق على الفرد لجهة صعوبة التنبؤ بسلوكها أو بمساراتها باعتبار أنها فى النهاية ليست سوى مجموع الأفراد.

من النظرية إلى التطبيق ووسط الجدالات العلمية التى تتسم بالطبيعة الحماسية بين الطلبة ذوى الاتجاهات والمشارب الفكرية المختلفة سواء يسارية أم إسلامية، كان فكر كارل ماركس يحظى باهتمام مجموعة لا بأس بها من زملاء الدراسة، فى مواجهة التيار الإسلامى الذى بدأ يخبو مع التحاقى بالجامعة على وقع عملية اغتيال السادات.

بعيداً عن اختزال ماركس فى وسطنا العربى الإسلامى بمقولة الدين أفيون الشعوب، اطلعت على جوانب من رؤاه بالغة التميز والتقدم، غير أن السقطة الكبرى فى نظرى آنذاك أنه أخفق فى التنبؤ بالدولة التى ستقوم فيها الثورة البروليتارية التى كان يعلق عليها آمالاً كبيرة فى تحقيق حلم البشرية نحو العدالة والمساواة. فقد توقع ماركس قيامها فى أرقى الدول الصناعية ورشح إنجلترا وألمانيا لقيادتها واستند فى نبوءته إلى استفحال بؤس الطبقة العاملة مما يدفعها إلى الانتقاص على الرأسماليين، غير أن الثورة لم تندلع فى تلك الدول التى يحظى عمالها بوعى طبقى رفيع، بل اندلعت فى روسيا البلد المتخلف صناعياً وتحت تأثير طبقتها المثقفة بقيادة لينين.

كان ذلك بمثابة مثال عملى على حقيقة الدرس الذى تعلمته وتطورت فكرته لدى بصعوبة التنبؤ بما هو بشرى- سلوك إنسان من لحم ودم، أو دولة لها كيان قائم على أرض الواقع، أو حتى حركة شعب فى مواجهة أحداث معينة، وأنه على هذه الخلفية ربما كان إخفاق ماركس، رغم كونه فى منظور البعض، عبقرية فذة، إلا أنه أيضا لا يمكن أخذ أرائه قضية مسلمة.

على الصعيد الغربي، فإن الكثيرين ربما لديهم دراية أو معرفة لا بأس بها بالعديد من المقولات بشأن انحسار الحضارة الغربية، وهى عديدة فعلا كلها تتوقع إنهيار هذه الحضارة، حتى أنه ربما قد يدهشك أن تعلم أن كتابا اسمه «رؤية الفوضي»- صدرت ترجمته منذ ثلاث سنوات عن المركز القومى للترجمة- قد رصد أكثر من أربعة وعشرين مفكراً خاضوا فى هذا الموضوع أبرزهم وأكثرهم شهرة فى مجال حديثنا هو أوزوالد شبنجلر بعمله الشهير عن «موت الغرب» وكذلك المؤرخ الإنجليزى المعروف أرنولد توينبى فى كتابه «دراسة التاريخ».

ورغم مرور نحو قرن من الزمان بالضبط على نبوءة شبنجلر، وتابعيه فيما بعد، فإن أى نظرة فى أى اتجاه سوف تكشف لك عن أن الغرب لا يموت ولا يحزنون، وأنه أقرب إلى القطط فى تصورنا الشعبى بسبعة أرواح، وقد لا تحتاج لأن تنظر فى أى اتجاه.. يكفى شعورك كعربى أنه جاثم فوق أنفاسنا لكى تدرك أنه يزدهر ويتقدم للأمام ولا يتراجع ويتدهور كما تنبأ شبنجلر وأخوانه!

على مستوى مفكرينا نحن العرب، فإن الأمور تسير على ذات الوتيرة، وبعيداً عن النبوءة الخايبة اللقيطة بأن دولة إسرائيل ستنهار عام 2022، نشير مثلاً إلى أن المفكر الجزائري- الفرنسى الراحل محمد أركون رغم باعه الأكاديمى راح فى منتصف التسعينيات يقدم نبوءة لا يمكن لك أن تحكم عليها الآن سوى بأنها ساذجة حين تنبأ فى كتاب «الإسلام، أوروبا، الغرب» بمحورية عام 2010 فى تاريخ العالم الإسلامى متوقعاً أن تحدث فيه طفرة نوعية على كافة المستويات، حيث سيكون العنف قد انتهى والموجة قد هدأت والدخول فى المرحلة العقلانية قد ابتدأ جدياً. ما يمكن قوله إن نبوءته تحققت حرفياً وإن بشكل عكسى حيث بدأت المرحلة الجنونية فى ذات التاريخ مع اشتعال العنف وارتقائه أعلى المراتب!

فى حدود ما قرأت ربما يمثل المفكر المصرى الراحل أنور عبدالملك استثناء من القاعدة إلا قليلاً، ففى كتبه المختلفة وخاصة كتابه «ريح الشرق»، بدا الرجل مسكوناً بهاجس تقدم الصين واحتلالها مكانة متميزة دولياً، الأمر الذى يخيل للمرء معه وكأن عبدالملك يرى هذا الأمر رأى العين. وهو الأمر الذى يؤكد الواقع صحته بعد أكثر من ربع قرن على ما كتبه الرجل. للأسف فإن عبدالملك أدرج مصر مع الصين ضمن هذه الريح التى تعكس الشرق، وأفرد لذلك كتاباً كاملاً أسماه «نهضة مصر»، غير أننا أبينا أن نجعله استثناء فى صحة التنبؤ بالمستقبل بالإصرار على ألا ندخل فى نفق النهضة، الأمر الذى لا نملك معه سوى الإعتذار عن خذلاننا له حيا وميتا!

[email protected]