رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

متى نتخلص من غلبة الأقوال على الأفعال؟

إن من أبرز سمات ثقافة التخلف التي ينبغي علينا مواجهتها والقضاء عليها في مجتمعنا المعاصر هي غلبة الأقوال على الأفعال فى أحيان كثيرة، إذ يكثر بين المصريين فى جميع طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية وفئاتهم، الوعود القولية وخطاب التطمين والإجادة والإتقان، والحب والتعاون، والارتقاء فى الأداء، سواء كان فى مجال الزراعة أو الصناعة أو حتى فى مجالات البحث العلمى. إن مجتمعنا يعيش على الكلام و«كله تمام» على صعيد الخطاب النظرى فى مجالات الحياة المختلفة! ففى مجال السياسة نحن نعيش عصر الديمقراطية والحرية والتعددية السياسية والأمل فى مستقبل سيتم فيه تحديث وإصلاح كل الأحوال السياسية!! وفى مجال الاقتصاد نحن نعيش عصر الانفتاح والرأسمالية الوطنية التى تفتح كل فرص العمل أمام الشباب وتساعد فى تنمية كل جوانب الحياة على أرض مصر ونحن يحدونا الأمل فى نقلة اقتصادية نوعية حيث يعدنا المسئولون بالرخاء القادم لا محالة!!

وفى مجال التعليم والبحث العلمى دوماً فى حالة استنفار للتحديث وتغيير المناهج وتطوير جميع مراحل التعليم للوصول إلى آفاق العالمية ومواكبة كل التطورات الحديثة والمستحدثة!! ولدينا بالطبع عبر خطاب التفاؤل والأمل القوة البشرية اللازمة لهذا التحديث والقادرة على قيادته واستمرار عملية التطوير والتحديث، ولدينا الجامعات التى تزداد يوماً بعد آخر والتى يعدنا رؤساؤها بأن التطوير قادم وأننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة ستصبح فيها هذه الجامعات من الجامعات العالمية المرموقة!!

أما فى مجال الزراعة والصناعة فحدث ولا حرج، فنحن سنصل فى أقرب وقت للاكتفاء من الغذاء وسيكون لدينا الفائض الذى سنصدره من جميع أو معظم المحاصيل ولكم ازدادت مساحة الأراضى المستصلحة، ولكم طورنا المحاصيل واستحدثنا منها الكثير والكثير!! وهكذا الحال فى الصناعة، فقد حدثنا المصانع القائمة وأنشأنا مئات غيرها وكل يوم هناك افتتاحات لمصانع ومزارع جديدة!!

وحينما يقرأ المصرى هذا الخطاب النظرى ويسمعه عبر وسائل الإعلام المقروءة المسموعة والمرئية يتخيل نفسه وقد أصبحت حياته خالية من المشاكل، وينام قرير العين، وما إن يستيقظ فى الصباح حتى يجد نفسه فى خضم المشاكل، فلا فرص عمل فى مصنع أو مزرعة، ولا جودة فى منتج من المنتجات، ولا طرق جيدة وممهدة رغم كل ما ينفق عليها، ولا شوارع قادرة على استيعاب حركة المرور، ولا تنظيم لهذه الحركة، من تخرجوا فى الجامعة غير مؤهلين للعمل، وإن كانوا مؤهلين فلا مجال لأن يعمل بمؤهله... إلخ.

ذلك حالنا الذى لم يعد يخفى على أحد منا، حاكماً كان أو محكوماً، مثقفاً كان أم عاملاً، فقيراً كان أو غنياً، شاباً كان أو كهلاً، فتى كان أو فتاة. إننا نقر بأن ما نقرأه وما نقوله وما نسمعه صباح مساء يختلف عما نراه فى واقع الحال من أفعال على أرض الواقع. لقد تربينا على العيش بين الكلمات وأدمنا الكلمات المعسولة الفضفاضة ذات المغزى التفاؤلى المخدر، أدمنا أن نؤجل المشكلات أو نحلها مؤقتاً عبر الكلمات والخطط النظرية الفضفاضة للإصلاح. وكم كان نزار قبانى شاعر العربية المعاصر الشهير بليغاً فى التعبير عن هذا المرض الموجع فى المجتمعات العربية حينما قال: «مقتلنا يكمن فى لساننا – فكم دفعنا غالياً ضريبة الكلام». إننا أدمنا «الكلام الكبير» على حد تعبير طارق حجي الذي صاح قائلاً: إن من أوجب واجبات من يهمه تصويب مسار العقل المصرى أن يقوم بإيقاظ هذا العقل وينهره بشدة أمام ظاهرة اتسامه بعلة «الكلام الكبير»، ولقد حاول ذلك كثيراً فيلسوفنا الراحل زكى نجيب محمود حينما حذر من سيادة اللفظ والكلام على لغة الأداء والأفعال، والانفصام بين هذا وذاك، إذ ينبغي أن ما يقال فى لغة «الخطاب النظرى» لا بد أن يقابله أى شىء محدد فى «الواقع المادى» وإلا فقدت الكلمات فى مجالات الحياة المختلفة اقتصادية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو علمية، مغزاها ولا تصبح ذات صدى، ولا مصداقية.

ولعل سائل يسأل: كيف نعالج أنفسنا من هذا المرض وكيف نتخلص من ظاهرة الكلام الكبير الذي لا يصدقه واقع؟ هذا هو موضوع مقالنا القادم.