رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

هوامش على حرية التعبير

هذا الكتاب، والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يعتبر من الكتب الجيدة في مجاله، وهو يحاول أن يرصد كما يشير مؤلفه عمليات القيود على حرية التعبير والتي أصبحت سمة تحاول الدولة وخصوصا في العالم الثالث أن تفرض من خلالها سيطرتها على عملية الإبداع.

ورغم ما يشير إليه الكاتب حمدي البطران في كتابه من أن العملية الإبداعية عملية ذهنية بحتة ترفض أي نوع من أنواع الرقابة عليها وأنه إذا ما تخوف المبدع من الرقابة فإن العملية الإبداعية عنده سوف تتلاشى وتضمحل، فإنه يوضح أن الدولة ترى أن المبدع تحول إلى خطر على مبادئها فتحاول أن تحد من نشاطه بتقييد حريته في الكتابة ومنعه من التعبير عما بداخله فتفرض عليه أنواعا من الرقابة وتسن له القوانين التي تكبله وتمنعه من التعبير.

وعلى هذه الخلفية يحاول البطران من خلال التطبيق على الحالة المصرية استعراض ما تم على صعيد الواقع في بلادنا منذ ثورة يوليو 1952 مستعرضا ليس فقط رقابة الدولة وإنما ايضا الرقابة المجتمعية التي قد تتمثل في سلطة المؤسسات الدينية سواء رسمية أو غير رسمية أو حتى رقابة المجتمع والذي ربما يتسم بكونه مجتمعا محافظا يرفض التجديد ويقاوم كل عمليات التحديث.

في إطار عملية الرصد يشير البطران إلى أنه عندما قامت ثورة يوليو قام رجالها بإحكام قبضتهم على الصحف وما ينشر فيها ثم تطورت عملية تقنين الرقابة بالقانون رقم 430 لسنة 1955 بتوسيع عمليات الحظر ليشمل الترخيص لأي مصنف يتضمن الإلحاد أو الرذيلة أو كراهية نظام الحكم، أو الجهر بأغان أو خطب مخالفة للآداب العامة.. وهي أمثلة لجرائم يذكر المؤلف أنها ذات صيغ مطاطية يمكن أن يتحول بها أي انسان إلى مجرم بتهمة من تلك التهم الفضفاضة.

غير أن السادات جاء وأصدر في عام 1974 قرارا بالغاء الرقابة على الصحف والمطبوعات غير أن هذا القرار، كما يذكر البطران، لم يحل مشكلة حرية التعبير. وهنا يقدم أمثلة بالغة الدلالة على هذا الأمر، فمثلا كان بعض الأشخاص يمرون كل عام أثناء معرض الكتاب ويسحبون عددا من الكتب لمنعها من التوزيع أو العرض. ووصل الأمر لمنع توزيع مؤسسة الأهرام لكتاب ترجمه رؤوف عباس عن شهادات على فظائع قنبلة هيروشيما واختار أن يقدم الترجمة بعبارة «إلى أصدقاء أمريكا .. عظة وعبرة» بحجة أن الوقت غير مناسب لصدور الكتاب وتم إعادة كل النسخ إلى منزل المؤلف مرة أخرى.

الأكثر أهمية على صعيد الموضوع الذي يتناوله المؤلف ويحسب للجهة التي قامت على نشر الكتاب وهي جهة حكومية ما تعرض له البطران في نقد ممارسات الهيئة المصرية العامة للكتاب نفسها حيث يشير إلى أن الرقابة لم تكن رسمية فقط وإنما امتدت لتشمل تدخل عمال المطابع في الهيئة فيما تنشره في خط مواز لرؤساء تحرير السلاسل والمجلات التي تصدرها الهيئة بل وكان رأيهم هو الأرجح!

الأمر لم يكن اكثر إشراقا مع نظام مبارك وإنما امتدت الرقابة بصور مختلفة ويقدم المؤلف أمثلة تجعلك تشعر بالوجيعة والفجيعة من مستوى تفكير من يقوم بعمليات الرقابة والمصادرة والمنع. وإلا فما معنى منع توزيع رواية مثل رواية أرض السواد لعبد الرحمن منيف مثلا في معرض الكتاب عام 2005 وهي من الروايات الرائعة تكاد أن توازي رائعته الأولى خماسية «مدن الملح»، بل وكذلك منع جزء «بادية الظلمات» لمنيف أيضا من خماسيته. وما معنى مصادرة ديوان للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

ربما يمكن القول إنه يؤخذ على تناول الكاتب أنه لم يتجاوز السرد إلى التحليل في أسباب استمرار الظاهرة التي خصص لها كتابه وتواصلها من حكم لآخر، غير أن جهده المتميز في الرصد، والذي جاء باعتباره كان جزءا من عمليات التعرض للرقابة، يمكن البناء عليه من آخرين في تناول تلك القضية بالغة الأهمية في كل عصر وحين .. حرية التعبير.

 

[email protected]