رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

من بطن الحضارة المصرية ولد مبدأ: العدل أساس الملك

 

 

منذ فجر التاريخ، بل منذ مولده، ومصر كانت قد تبوأت قمة الحضارة الإنسانية فى شتى مراحلها.. وفى كل فروع الحياة الاقتصادية، حيث كانت الرفاهية والنمو والرخاء والسعادة مرسومة حسب النقوش والتماثيل فى ملامح المصريين جميعاً، وفى الحياة الاجتماعية، حيث المساواة المطلقة بين الطبقات الاجتماعية كل يتمتع بمركز اجتماعى حسب قدرته وكفاءته وإتقانه العمل، والأهم ودون سائر المجتمعات البشرية قاطبة «كانت المساواة ما بين المرأة والرجل» كلاهما على: قدم المساواة فى شتى الحقوق والواجبات خلافاً لما كان بالنسبة لشتى الدول القديمة، كانت المرأة عند الرومان خاضعة للوصاية الدائمة طيلة حياتها، ونفس الأمر كانت المرأة فى بلاد اليونان الأمر الذى أثار دهشتهم حينما جاء الإسكندر الأكبر إلى مصر وراءه المركز الاجتماعى والقانونى للمرأة، والمساواة الكاملة التى تمتعت بها سواء فى القانون العام يمكن أن تتبوأ المرأة أعلى المناصب كانت ملكة أو حاكمة إقليم.. والتاريخ مملوء بملكات مصريات كان عهدهن فى قمة الرخاء والازدهار. فى القانون الخاص كانت تمتلك الأموال المنقولات والعقارات وتتصرف فى أموالها بكل أنواع التصرفات بائعة أو مشترية بمقابل «كالبيع» أو دون مقابل «كالهبة».. إلخ.

هذه العصور الحضارية هى عنوان سمو الفكر المصرى منذ العصر الفرعونى ومولد المجتمعات السياسية، ثم فى القضاء وهى مرتبطة ارتباطاً لا انفصام له بالدين ومن المعلوم تاريخياً، كما عبر عن ذلك المؤرخ اليونانى هيرودوت صاحب العبارة الشهيرة «مصر هبة النيل» قال: إنه زار المدن والبلاد ووجد أن «مصر أكثر شعوب العالم تمسكاً بأهداف الدين: فكراً وممارسة وتطبيقاً».

يكفى أن يعلم العالم كله أن المصريين القدماء «عرفوا الحق والعدل واتخذوا للعدالة آلهة وهى «الآلهة معات» وكنت ترى من الوثائق صور قضاة مصر فى مجلس القضاء وكل حول عنقه «تمثال صغير لمعات حتى يذكره بأن يحكم بالعدل بين الناس تماما كما نرى فى دور القضاء الآية الكريمة إلى القضاة: «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل».

وتدعيماً لأن مصر كانت سابقة دون العالمين أجمعين فى «إقرار مبدأ أن العدل أساس الملك والذى سار على دربه كل قضاة العالم على مجريات التاريخ».

ونسوق فى «إيجاز» تدعيم هذا المبدأ وصياغته فى محاريب ونظم الحكم فى مصر القديمة.

بعد الثورة التى قامت وسجل لأحداثها الحكيم «حكيم وفيلسوف الشعب إيبوور» جاء عصر «القوانين العدالة» Justes Lois السارية على الملك والشعب معاً، وأن القانون أصبح له الكلمة العليا. نرى مثلاً فى عهد الأسرة العاشرة قال الملك خيتى إلى ابنه مريكارع وهو يعظه قائلاً: إن الله لا يفرق بين البشر طبقاً لما يتمتعون به من ثراء أو ما يستطيعون تقديمه من قرابين وإنما بالنظر الى فضائل أعمالهم ونفوسهم وبلغتنا المعاصرة «ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا» وما أعظم ما نصح به ابنه قائلا:

كن عادلاً حتى يخلد اسمك على الأرض: هدئ من روع الباكى، لا تضطهد الأرملة ولا تطرد إنساناً من أملاك أبيه أو موظفاً من عمله، ولا تجرد القضاة من مناصبهم «حتى ترضى عنك الآلهة».

ويستطرد قائلاً: لا تكن فظاً بل كن رحيم القلب: اجعل هدفك حب الناس لك.. فالناس سوف يشكرون الإله لأنه منحتهم إياك - وسوف يمتدحون وقتك «أى عصرك» ويدعون لك بالصحة وفى فلسفة حقوقية: لا تثق فى طول السنين لأن إلهة «يوم الحساب» يعتبرون العمر ساعة.

مرفأ الموت، وأعماله توضع بجانبه مثل كنزه الوحيد.. بمعنى بلغتنا المعاصرة.. إن الحسنات يذهبن السيئات والباقيات الصالحات.

ويصل إلى إقرار: أن العدالة أبدية سرمدية.. ويترجمها أحد قضاة عصره «احكم بين الناس بالعدل، لأن العدل أساس الملك والعدل ينزل مع صاحبه القبر».

ونواصل رحلة الخلود للحضارة المصرية الخالدة.

ودائماً وأبداً إلى لقاء تحت ظل عدالة قدسية الأحكام والميزان.