رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الناصية

رمضان.. ومدفع الصعايدة!

 

ý كنا نسمع، نحن الصعايدة، عن مدفع رمضان، ولا نسمعه، ولا نراه، فهو فى مصر، فى الشمال، يطلقه عسكرى الحكومة ليعلن عن موعد الإفطار لأهل القاهرة من أعلى هضبة عند قلعة محمد على، ونحن فى الجنوب بيننا وبينه لا يقل عن ٥٠٠ كيلو متر.

ولأننى من الجيل الذى كان يصنع لعبته بنفسه ولا يشتريها، وأعتقد أننا آخر هذا الجيل، صنعنا مدفع رمضان وكنا نضربه بأنفسنا، مع بدء أذان المغرب لنعلن لأهل شارعنا موعد الإفطار!

وهذا المدفع كان عبارة عن عمود حديد أسطوانى الشكل طوله نحو ٥سم وقطره نحو ٢سم، وله فتحة لا يزيد عمقها على نصف سم، ومن الأسفل يتم لحام سيخ من الحديد للإمساك به، وكنا قبل أذان المغرب بنحو نصف ساعة نضع رؤوس أعواد الكبريت فى هذه الفتحة ونغلقها بمسمار غليظ برأس بارز وبنفس مقاس الفتحة.. وقبل الأذان نصطف نحن الأصدقاء ممسكين بمدافعنا من طرف السيخ وعندما نسمع المؤذن يقول الله أكبر، كل واحد منا يوجه بكل قوة المدفع الذى يعلوه رأس المسمار على حجر أسمنتى فيحدث الاحتكاك بين المسمار الحديد والكبريت صوتاً قوياً جداً وكمية من الدخان، وفى بعض الأوقات يشتعل ولكن إذا حدث ذلك لا يكون صوته قوياً.. ولذلك يحتاج إلى حرفية فى وضع كمية الكبريت المناسبة، وكذلك لا بد من حساب الوقت الذى يظل فيه الكبريت داخل فتحة المدفع؛ لأنه يمكن من كثرة طحن الكبريت بالمسمار ليتحول إلى مسحوق أشبه بالبارود تتسرب إليه بعض من رطوبة العرق من بين الأصابع، فلا يحدث صوتاً، ويخرج منه دخان كثيف فقط!

وكان من الأهمية، لنا، نحن مجموعة الأصدقاء، أن نصطف لضرب مدافعنا الواحد تلو الآخر حتى نعرف من هو صاحب المدفع الأعلى صوتاً، ومن صاحب المدفع الأقل، ومن الذى يخرج من مدفعه دخان بلا صوت، وهو الذى يكون صاحب النصيب الأكبر من السخرية، ليعود منكسراً إلى بيته، وهو فى قمة الهزيمة!

وكان لهذا المدفع رغم بساطته أهمية كبيرة فى إحساسنا بذواتنا لأن أهل الشارع يفطرون عند سماع صوت مدفعنا، وليس مدفع الحكومة، وكذلك الشعور بالفوز عندما يكون مدفعك الأعلى صوتاً أو من مجموعة المدافع الأعلى صوتاً، وكذلك الشعور بالرضا عن النفس لأنك أحسنت فى حساب كمية رؤوس الكبريت التى وضعتها فى المدفع، متفادياً أن يتسرب بعض من خشب عود الكبريت لأنه يجعله يشتعل ناراً ولا يحدث صوتاً، وكذلك حساب الوقت المناسب لإبقاء الكبريت داخل المدفع قبل الأذان حتى لا يتسرب إليه رطوبة من يديك فلا يخرج منه سوى دخان!

وفى السبعينات، وقبل حرب أكتوبر، كانت هناك أزمة فى علب الكبريت، وكنا نجده بصعوبة فنضطر لسرقته من مطبخ المنزل، وتلك كانت معركة يومية طوال رمضان مع أمهاتنا، وكان السبب فيها أن كل شىء كان موجهاً وقتها للمجهود الحربى، وباتت مصانع الكبريت لا تجد الأخشاب اللازمة لصناعته فاستبدلته بالورق لصناعة أمشاط الكبريت، وكانت هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لنا حيث كانت هناك صعوبة فى فصل رأس الكبريت عن الورق، فكانت احتمالات فشل المدفع فى أن يحدث صوتاً مدوياً أكبر كثيراً من نجاحه!

فهل عاش، وعايش، الجيل الذى لم يصنع لعبته بنفسه هذه المتعة الكبيرة لطفل صغير؟!..طفل يجعل من لعبته صناعة كاملة وحالة نفسية ووجدانية مليئة بعشرات الدروس والعبر، وبالعديد من العلاقات الإنسانية المتداخلة، والصراع الداخلى للإجادة والتجويد، والمشحونة بالكثير من المشاعر المختلطة بين الزهو والانتصار والخوف والفشل.. كل ذلك فى لعبة قد يراها البعض بسيطة، ولكنها فى النهاية تكّون شخصية فرد.. تصور فى البداية أنه يصنع لعبة وهو لا يدرى أن اللعبة تصنعه!!

 

[email protected]

 

 

 

البريد المصري

اعلان الوفد