رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

زمن طارق عباس

أن تذهب إلى معهد الموسيقى العربية وتقضى ليلة ممتعة تعود معها منتشيا بما قدمته فرقة «ونس» من مجموعة من الأعمال الفنية الراقية، فذلك يعنى أن تشعر بالفخر فى أنك تعيش ذات الزمن الذى يحياه طارق عباس، فى ذات الوقت الذى تشعر فيه بالأسى على أن جهود مثل هذا الرجل لا تلقى من يدعمها أو يقف وراءها رغم تأثيرها الكبير سواء على المستوى المحلى أم الخارجي.

عندما تقترب من طارق عباس وتستمع إليه، وهو بالمناسبة أحد أصدقائى الأعزاء منذ سنوات، تلمس كيف أن إرادة التحدى والرغبة فى الإنجاز يمكن لها أن تتجاوز كافة العقبات أى عقبات، وأن الفشل ليس سوى منطق العاجزين فقط.

أحلام "طارق" رغم ضعف الإمكانيات ورغم أنه يقضى ليله ونهاره فى أن يمضى الله يومه بالستر، كبيرة ليس لشخصه وإنما لمصر.. وليس هذا كلام إنشاء.. وإنما كلام يمكن أن تلمس إذا اقتربت منه مدى صدقه وأن هناك من يحبون مصر بحق.

ولأنه ملحن ولأنه يقوم بتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، فقد حاول الجمع بين الحسنيين، فأسس فرقة «ونس» تتشكل بالأساس من الوافدين الأجانب من كل دول العالم لتعليم العربية عن طريق الغناء، إلى جانب ابنتيه الجميلتين منال وحنين وبعض الشباب، بل والأطفال الواعدين فى أصواتهم. ولأن الأمر يتعلق برسالة وحلم فى الوقت ذاته، فإن طارق لا يبخل على مشروعه الفنى بالغالى والثمين، حتى أنه يكاد يخسر «الجلد والسقط» من أجل النجاح.

يحرص الرجل على توصيل رسالته وصوته وإمتاع الجمهور كل فترة بحفلة مختلفة يقدم من خلالها التراث العربى والمصري، بل والصوفى ايضا، مع مزجه بأعمال غنائية حديثة يؤديها أعضاء الفرقة بشكل رائع ومن خلال تقسيم فى الأداء يعبر عن رؤية فنية عالية، فضلا عن تقديم أعمال جديدة لمؤلفين آخرين يقوم هو بتلحينها وهى أعمال تستحق، ليس انحيازا لطارق، أن تكون فى صدارة الأعمال الوطنية. وإذا لم تصدق كلامى فأرجو أن تستمع فقط لأغنيته «تحيا بلدي».

ولعل ما يؤكد ذلك أن الإذاعة المصرية رشحت إحدى أغنياته «افتح قلبك للسلام» أمام مسابقة الإذاعات العربية. لو كان أتيح لك الاستماع للأغنية التى اختتم بها الحفل أو حتى من خلال موقع يوتيوب بعد ان يتم تحميلها عليه قريبا، سوف تشعر بالمعانى الإنسانية الرائعة لكلماتها، والذى أضفى عليها مزيدا من الروعة المشاركة المتنوعة فى غنائها لشباب من كافة دول العالم.

فى تقديرى أن ما يقوم به طارق يساهم مساهمة غير عادية فى الارتقاء بالذوق العام الذى هبط إلى الدرك الأسفل وأصبح «نمبر وان» فى الهبوط!! فضلا عن تكوين من يمكن وصفهم ليس بـ «فرقة ونس للإنشاد الديني» وإنما بفرقة «ونس» للترويج لمصر فى الخارج .. فالطلبة المشاركون فى فرقة طارق سواء كانوا من ماليزيا أو إندونيسيا أو ألمانيا أو اليابان أو روسيا سيكونون خير سفراء لنا بعد عودتهم لبلادهم. وامتدادا لرسالته تلك يعد طارق حاليا لأغنية للأفارقة للغناء فى حب مصر.

المشكلة الأساسية التى تواجه طارق هى العقلية الروتينية التى تعرقل مهمته فى تقديم أعماله، فكل ما يريده توفير مكان لإجراء البروفات، والتخفيف من أعبائه المالية فى إقامة مثل هذه الحفلات حتى ولو خفض النسبة التى تحصل عليها دار الأوبرا وهى نسبة كبيرة، إذا سلمنا بأن ما يقوم به لا يستحق دعما من رجال الأعمال الذين يصمون آذانهم عن مثل هذه الأعمال الراقية، على الأقل لمواجهة المسئولية المادية تجاه الموسيقيين، أما طلبته فهو كفيل بهم، حيث يقدمون جهودهم تطوعيا.

فى ختام الحفل، رحت أجتذب صديقى طارق من بين محبيه ومعجبيه، وأخذته بالأحضان الشديدة، وأشد على يديه، وأصدق على قوله تعالى فى قرآنه: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور». 

[email protected]