رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الإمام والأمير

لو أن كتابات الأساتذة طه حسين وعلى عبدالرازق وعبدالرحمن بدوي وحسن حنفي والحكيم ومحفوظ والشرقاوي وفرج فودة وسعيد العشماوي ويوسف زيدان والقمني وغيرهم كثيرون قد استقبلها أهل العلم والرأي على مدى قرن من الزمان بعقل مفتوح واستعداد للنقاش وتقليب الأفكار بهدف تجديد الفكر وتنقيح التراث لما وصل حالنا من الجمود الثقافي إلي هذه الحالة التي أفرزت فكراً مقابلاً أكثر تطرفاً ورغبة في الجمود والرجوع بنا إلي عصور ما قبل العقل –إن صح التعبير– ومناسبة هذا الكلام أنني تابعت ما طرحه الدكتور يوسف زيدان من أفكار وآراء تتعلق بالتراث الديني حول حادث الإسراء والمعراج وحقيقة وجود المسجد الأقصى بالقدس من عدمه في حياة رسولنا الكريم.. وعلى نفس شاشة القناة الفضائية التي تحدث فيها الدكتور يوسف زيدان للإعلامي خيري رمضان ظهر للرد والشرح مفتي مصر السابق الدكتور على جمعه.. ومع كل الاحترام والتقدير لفضيلته في تفنيده لآراء الدكتور يوسف زيدان حول الأصل اللغوي للفظة «القدس» وأنها لفظة عبرية وليست عربية وأن المسجد الأقصى لم يكن موجوداً بالأساس عند حادث الإسراء وأنه لا معراج للسماء من أصله في القصة كلها، وبغض النظر عن صحة ما تفضل به الدكتور يوسف زيدان من عدمه، فإن الملاحظ في رد فضيلة الدكتور على جمعة أنه يأتي استمراراً لمنهج وقاعدة «إن لم يكن عندك جديد تقدمه وتثبته فأعد صب القديم في كأس جديدة.. وأتصور أنه لو تحدث في ذات الأمر عشرة أو مائة من علماء الأزهر المحافظين على قداسة النقل لا منطق العقل فإن كلامهم جميعا لن يخرج عما قاله وتفضل به الدكتور على جمعة والاحتمال الأرجح أن يزيدوا عما قاله للتأكيد على حرمة وتحريم أي فكر مغاير لما هو سائد ومستقر عند أهله، وكأن القضية منذ قرون أصبحت حرمة وتحريم الاختلاف عن الموثوق به من تراث السلف وليس على الإطلاق ما الذي يليق بعقل هذا العصر وعلومه من هذا المنقول فنتمسك به ونصونه وما الذي يجافي العقل والحقيقة والإنسانية فنظهر ضعفه ونتركه.. والحقيقة أن قضية تجديد الخطاب أو الفكر ليست قضية دينية يحسمها أو لا يحسمها العلماء والفقهاء ولكنها قضية سياسية بالأساس يوظفها أهل السلطة لتثبيت واستقرار سلطانهم، والمسألة قديمة تعود إلي بدايات الدولة الأموية عندما شاع مصطلح «أهل السنة والجماعة» ولم يكن المقصود وقتها بالجماعة إجماع العلماء والفقهاء على رأي يخص الشريعة أو العقيدة وإنما قصد بالجماعة هنا «الجماعة والإجماع على بيعة معاوية وأبنائه من بعده» ومنذ هذا التاريخ وانتقل المصطلح ليوظف سياسياً لخدمة السلطان وإصباغ الشرعية عليه بالخلط المتعمد بين ما هو ديني وما هو سياسي دنيوي.. في عصرنا ولحظتنا الراهنة من مصلحة الأزهر كمؤسسة أم في مصر أن يتحرك أهله بمراجعة فكرية شاملة تقترب من الثورة على جبال الثوابت الوهمية التي ملأت الكتب وتيبست بها وتحولت بمرور السنين إلي كتب اكتسبت قداسة ربما تفوق أحياناً قدسية المنزل والموحي به.. أقول من مصلحة الأزهر أن يتحرر من الجمود في زمن لن تسمح كثيراً من عواصفه أن يتمسك البعض بمواقع أصبحت مكشوفة ولابد من فك الارتباط بين الإمام والامير لأن رياح الحرية وإنسانية الإنسان لن يسمحا على الاطلاق باستمرار تحالف يتغذى على مصادرة الحق المشروع والإنساني في حرية الاعتقاد والتفكير.. وأخطر تحد نواجهه اليوم في مصر أن ما نصفه بالتطرف المؤدي لتبني ثقافة العنف والإقصاء – هذا الوباء جذوره لا تنبت إلا في تربة الجمود والانغلاق وإلغاء العقل لصالح النقل، واحتقار المنطق لصالح غواية الجهل.. الدول الحديثة لا تكتسب صفة حداثتها وتقدمها وهى مدفوعة للوراء ومشنوقة بحبال الماضي.. التقدم يبدأ من الفكرة قبل الخطوة.. الإبداع الذي يقهر التحديات يحتاج إلي مغامرات فكرية وثقافية ولو استمر حالنا على تجريم التفكير واعتبار كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، فالمؤكد أن نار التطرف والعنف ستظل قادرة على التهام أي فرصة قد تلوح لنا للعبور لعصر جديد نحن نستحقه لو احترمنا عقولنا ولن نمسك به طالما ارتضينا الأسر في زنازين الإجماع.

[email protected]