رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

على فكرة

هل كانت ثورة 1919 علمانية ؟

فى مجال تعريفه للعلمانية ،فًرق الدكتور عبد الوهاب المسيرى بين نوعين من العلمانية ، الأولى جزئية وتنصرف إلى فصل الدين عن الدولة ، والثانية شاملة ، وتضيف إلى الأولى كذلك فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن حياة الإنسان فى جانبها العام والخاص ، ونزع القداسة عما يجرى فى العالم ، وقد يكون هذا التعريف  فى أبسط معانيه ترجمة لقول الرسول الكريم « أنتم أعلم بأمور دنياكم «, وتأكيدا على جعل مجال  العقل الدينى خاصا بين الفرد وربه  دون وسيط ، يقتصر على التعبد ، ويلزم الدولة فى تشريعاتها ومؤسساتها  وسياساتها بعدم التفرقة بين المواطنيين والمؤمنيين ، فكلهم مواطنون  متساوون فى الحقوق والواجبات . كما يلزمها باتاحة حرية ممارسة الشعائر الدينية  لكل هؤلاء ، سواء كانوا ينتمون إلى ديانات سماوية أو غير ذلك .

سعى التيار الدينى المتزمت منذ نشأته ، وحتى تعدد فصائله فى حركات الإسلام السياسى ، إلى تشويه مصطلح العلمانية ، وإقرانه بالإلحاد ، وتسويد النظرة العدائية تجاهه لدى العامة وغير المتعلمين ، بتزوير الحقائق التاريخية ووضعها فى غير نصابها ، والزعم بأنها تيار غربى وافد إلينا ، وترويج لما اخترعه فقهاء وتجار دين ، لسلطات استبدادية ، هى جوهر شرهم الدائم للحكم ، وإشاعة  أوهام  عن وصل ما انقطع من ماضى دولة الخلافة البائدة . وهو الدور الذى يلعبه الآن بدهاء ولوع التيار السلفى المطلوق علينا داخل مجلس النواب  وخارجه !

كان الدكتور لويس عوض يقول ان للعلمانية المصرية جذورا عميقة ، بناها جهاد الشعب المصرى عبر قرنين من الزمان فى سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية ، لأن مصر من أقدم العصور و جزء لا يتجزأ من حوض البحر المتوسط الحاضن للثقافات والحضارات .

وحين حاول الانجليز إثارة الفتن الطائفية أثناء ثورة 1919، انطلقت الدعوات لتأييدها من الشيوخ والقساوسة ، وارتفعت أعلام الثورة يتعانق فيها الهلال والصليب .وحين شكل سعد زغلول أول حكومة بعد أن أسفرت الثورة عن الغاء الحماية البريطانية عن مصر ، وصدور دستور 1923 ضم إليها خمسة من الوزراء الأقباط. وفتح سعد زغلول الأبواب واسعة لمشاركة اليهود المصريين فى الحركة الوطنية وكان اليهودى يوسف قطاوى الذى أصبح وزيرا فيما بعد ، عضوا فى الوفد الذى كان يفاوض الانجليز من أجل الاستقلال ،ومشاركا لطلعت حرب فى إنشاء بنك مصر .

وحين تولى الملك فاروق العرش ر فض الزعيم مصطفى النحاس  رئيس الوزراء  طلبا بأن يقلد شيخ الأزهر الملك سيف جده محمد على،كما رفض أن يذهب الملك فى اليوم التالى لتوليه إلى الأزهر ليؤدي الصلاة ، ثم يدعو له شيخ الأزهر أدعية خاصة ، ، وقال فى تقديم خطاب وزارته أنها ستعمل على « توطيد النظم البرلمانية على الأسس الديمقراطية، المعمول بها فى البلاد العريقة فى الحكم النيابى « وحين جاء الزعيم الباكستانى محمد على جناح ليدعو مصطفى النحاس إلى الانضمام إلى الجامعة الإسلامية ، وخاطبه بصفته زعيما إسلاميا ، غضب النحاس ورد عليه قائلا « أنا زعيم وطنى ولست زعيما إسلاميا» وحين أحاله إلى وزير خارجيته بالنيابة إبراهيم فرج ،قال له فرج «إن مصر لا مجال فيها للعصبيات التى تخرب الوطن الواحد ، وتقسمه إلى الهند والباكستان "!

وردا على سؤال العنوان :  نعم ثورة 1919  التى عززت مشاركة الجماهير فى صنع مستقبل بلدها ، وأقرت دستورا يرسخ قيم المواطنة والمساواة ، ويحفظ حريات الرأى والصحافة  والتعبير والإبداع الفكرى والأدبى  والفنى والثقافى ، ويرفض الحكم الدينى ويشجع على تحرر المرأة هى ثورة علمانية ، تستحق من قادة حزب الوفد أن يزيلوا الغبار عن هذا التاريخ المشرق ، الذى يشكل وصله  المستقبل لهذا الوطن ، فالأسس الديمقراطية لن تترسخ وتسود فيه إلا بالعلمانية .