رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

والله صارت «بلوة» مش «عزوة»

ماشية فى الشارع بتجر فى رجليها من التعب، هدومها مبهدلة، وشها كالح من غير أى ملامح ويمكن حتى نسيت تغسله من الزحمة، على ذراعها طفل مليان «وساخة» بيصرخ من الجوع أو من «العفن» وفى ذيل جلبيتها متعلق طفلين حافيين ونحاف ومليانيين تراب، واحد فيهم بيصرخ «جعان عايز آكل»، والتانى عايز يشرب، ووراها طفلين مزنوقين بين العربيات وهم بيصرخوا «استنينا يا أما العربيات هتدوسنا» إنها ليست لقطة من فيلم أو جزءاً من سيناريو، بل مشهد واقعى متكرر أراه وترونه فى شوارع مصر، حواريها، مناطقها الشعبية الفقيرة، محافظاتها وقراها خاصة فى الصعيد، مشهد الأم «الأرنب» التى «تزرب» أكبر عدد من الأطفال أربعة خمسة ويمكن سبعة وتسعة، رغم أنها هى وزوجها الفقير «الكحيان» العواطلى غالباً لا يجدان ما يأكلانه، فما بالهما وهذه «الحفنة» من الأولاد، ويعيشان مع هذه الحفنة فى غرفة واحدة، لحم «متكوم» فوق بعض، تحت السرير على عتبة الباب أو حتى عند الجيران مش مهم، المهم عندهم أن الولاد عزوة.. أى عزوة.. لا والله يا ستى.. يا سيدى العيال بهذا الشكل صار بلوة.

مصر صارت بالأمس 90 مليون نسمة هذا فى الداخل بجانب 8 ملايين فى الخارج، يا نهار مش معدى، 98 مليون عايزين ياكلوا ويشربوا ويصرفوا ويمشوا فى الشوارع المخنوقة التى ستنفجر، إما سيراً أو بالعربيات التى تقتلنا بعوادمها، 98 مليوناً عايزين أولادهم يتعلموا ويشتغلوا لما يتخرجوا ويكون لهم شقق يتجوزوا ويتلموا فيها، 98 مليون نسمه ستقضى على الأخضر واليابس لو استمرت زيادة معدلات السكان على هذا النحو أربعة أطفال كل دقيقة، وستقضى على كل جهود للتنمية مهما بلغت هذه الجهود، ولن يشعر المصرى بأى تغيير اقتصادى إيجابى للأفضل أو أى رفاهية حتى لو فتح السيسى مليون مشروع، أو راح يطلب المعونات والقروض من خلق الله، 98 مليوناً منهم 12٫5% من قوة الطاقة العاملة معطلة على الرصيف البطالة، تتسول مصروف الجيب من أهاليها، وتتسكع على المقاهى وتتنطع على النواصى والبقية تأتى...!

كارثة الكوارث أن معدلات الإنجاب بين الأسر الفقيرة الجاهلة هى الأكبر، لا تكتفى هذه الأسرة المعدمة بطفل أو اثنين، بل بأربعة فى المتوسط، لأنها ترى أن الأطفال عزوة ومصدر للرزق، ما أن يبلغ الطفل الخامسة أو السادسة حتى «ترميه» فى الشارع للتسول وبيع السلع التافهة، أو تزج به فى ورشة لينتهك صاحبها طفولته وآدميته، أو تلقيه فى أتون بيت من البيوت للخدمة، فتصير هذه العزوة المزعومة بلوة ونقمة عامة على مصر، تصدر لنا ملايين الأطفال الأميين الجهلة.. المعدمين، الخامة السهلة للجريمة والبلطجة والانحراف والإرهاب، وعلى النقيض من ذلك، تجد الأسرة الثرية، المثقفة تكتفى بطفل أو طفلين على الأكثر، وتولى أطفالها الرعاية والعناية والتعليم الراقى، لأنها ترى أن طفلاً متعلماً نافعاً لنفسه ولمجتمعه «بركة» وأفضل من خمسة لا خير فيهم ولا صلاح. إن ما وصلنا إليه من تعداد للسكان يحتاج إلى وقفة جادة وحاسمة وقوية من الحكومة تجاه سياسة تحديد النسل، خاصة بين الفئات الشعبية والفقيرة، يحتاج إلى تكاتف وتعاون كل الوزارات المعنية، الصحة والسكان، الشئون الاجتماعية، التعليم، الإعلام، الثقافة، الأزهر، منظمات المجتمع المدنى والقطاع الخاص، وأن تتكاتف كل هذه الجهات فى حملة قومية طويلة المدى لا تتوقف أبداً لدعوة المصريين إلى تحديد النسل بدءاً من الآن وصاعداً، على أن يكون التحرك ليس فقط تجاه عملية الحد من الإنجاب والتوعية الصحية والاجتماعية بمخاطر كثرة الإنجاب، بل تجاه الأسرة الفقيرة ككل، فلو تم من الآن الأخذ بيد كل أسرة بسيطة، ومساعدة الأب أو الأم على إيجاد عمل يوفر لهما حياة كريمة لا احتياج فيها، لما فكرا فى إنجاب حفنة أطفال للدفع بهم فى سوق العمل، وأن يتم فى هذا عمل لجان توعية تنتشر فى الأحياء والمناطق الشعبية، تلتقى بشكل مباشر مع هذه الأسر، وترشدها إلى الطرق السليمة لتحديد النسل وإلى إيجابيات هذا، وبخطورة زيادة الإنجاب على صحة الأم، على أعباء ودخل الأسرة، وعلى المجتمع ككل.

أن يقوم الإعلام بدوره فى التوعية بخطورة الزيادة السكانية وأثره فى هدم اقتصاد مصر ومصادرة رفاهية الأسرة، أن ينتشر شيوخ الأزهر بالفتاوى المعتدلة بأن تحديد النسل ليس حراماً كما يعتقد البعض، فهناك فارق بين الإجهاض وقتل النفس وبين منع حدوث الحمل من الأصل، أن تتحرك الثقافة والفنون بعمل البرامج والمسلسلات والأفلام التى تركز على مخاطر وسلبيات كثرة الإنجاب، أن تقوم وزارة التعليم بدورها مكافحة الأمية والجهل وتوعية الأمهات بخطورة كثرة الإنجاب وتخريج أطفال أميين جاهلين للحياة.

أن يتم إصدار قانون يتم من خلاله تحديد عدد الأطفال «طفلين» كحد أقصى فى كل أسرة جديدة، وأن يتم مكافأة الأسرة التى تلتزم بالقانون ومنحها مزايا مالية وتموينية وتخفيضات فى مصروفات المدارس أو الجامعات، وحرمان الأسر المخالفة من هذه المزايا، بل وتغريمها، على غرار ما فعلت الصين لتواجه انفجارها السكانى قبل أعوام، الحلول كثيرة المهم سرعة التحرك، قبل أن ننفجر ويأكل بعضنا البعض، ولك الله يا مصر.

 

[email protected]