رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العلاقات المصرية الأفريقية... كانت وستظل

 

أعزائى القراء أعلم أن لغة الأرقام ليست بالممتعة بل تثير الملل أحياناً كثيرة، ولكن عذراً هذه المرة دعونا ننصت لها ثوانى قليلة، لعل ذلك ينير فى عقولنا بعض النقاط وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالقارة السمراء، حيث مسقط رأسنا، ففيها امتداد أراضى وطننا ونبع شريان الحياة. فماذا تقول لنا تلك الأرقام إذن؟ تقول الأرقام إن 15% من سكان الأرض يستوطنون أفريقيا، وتمتلك القارة السمراء على سطحها وفى باطن أرضها الكثير من الموارد الطبيعية، من مياه الأمطار والأنهار، بالإضافة إلى امتلاكها لحوالى 12% من احتياطى العالم من النفط، 10% من الغاز الطبيعى، 80% من البلاتين، 40% من الماس، 25% من الذهب وقرابة الـ15% من الحديد والفوسفات والمنجنيز فى العالم... والآن أترك كل منا يفكر فى تلك الأرقام كما يحلو له.

تتصارع الاستثمارات الأمريكية والصينية والتركية على الاستحواذ على النصيب الأكبر من الاستثمارات فى أفريقيا، وإن كانت الاستثمارات الصينية هى الأكبر حيث تبلغ أكثر من 200 مليار دولار، وقد تعهدت الصين بمضاعفة المبلغ خلال قمة الصين وأفريقيا الأخيرة. أما بالنسبة لمصر فقد فهمت مبكراً الأهمية السياسية والاقتصادية لأفريقيا، فخلقت لنفسها المكانة لدى المواطن الأفريقى قبل الدولة، مما ساهم فى إيجاد نفوذ طاغ فى شتى القارة الأفريقية، حتى كانت العزلة التى اختارتها القاهرة لنفسها وهذا الجدار العالى الذى بنته مصر مع القارة السمراء، ونغمات التعالى على شعوب القارة مند منتصف السبعينات. فسارعت الدولة العبرية للقفز فوق حواجز العزلة المصرية، بدأت تل أبيب من حيث بدأت مصر فحققت أرباحاً اقتصادية وسياسية على حساب الوجود المصرى هناك، وكما كانت شركة (مصر للاستيراد والتصدير) ذراع القاهرة فى أفريقيا، فإن مؤسسة (الماشاف) كانت مدخل تل أبيب إلى أفريقيا، ونجحت تل أبيب فى إقامة جمعيات صداقة بين إسرائيل والدول الأفريقية ونواد للسلام، نجحت فى اختراق عدد من الدول الأفريقية من أجل تحسين صورتها! ويقوم على إدارة هذه الجمعيات والنوادى أصدقاء وخريجو الدورات التدريبية، وتقوم بتنظيم زيارات لإسرائيل وعقد المحاضرات والمساعدة فى تنظيم المشروعات التنموية لإسرائيل فى أفريقيا، استخدمت إسرائيل الدورات التدريبية والخبرات التكنولوجية للدخول إلى أفريقيا، حيث أعطت إسرائيل للزراعة الاهتمام الأكبر، وكانت القوافل الطبية بوابة العبور إلى المواطن الأفريقى، وكانت المنح الإسرائيلية للطلاب الأفارقة للدراسة والتدريب مفتاح السيطرة على عقول القارة الإفريقية، وكانت الرياضة هى الملعب الأبرح للاستحواذ على عشاق الساحرة المستديرة، فغزت تل أبيب بذلك القارة بالمدارس الرياضية لتدريب الأطفال عليها والاستثمار فيها. هكذا قفزت تل أبيب فوق العزلة المصرية الاختيارية لتحصد ثمرة المجهود المصرى فى أفريقيا.

واستيقظت مصر على ثورة الـ25 من يناير وبدأت باسترجاع إرث الماضى فى أفريقيا، فكانت الدبلوماسية الشعبية هى الباب الاختيارى للشعب المصرى نحو أفريقيا فبادلت القارة الوفود الشعبية بحفاوة الاستقبال من جميل الصنيع القديم، وأتى عام الإخوان فانتكست الهبة الشعبية نحو أفريقيا، وجدد الإخوان نظرة التعالى والمؤمرة للقارة خلال مؤتمر الاتحادية بين الرئيس المعزول «محمد مرسى» وبعض أقطاب المعارضة المصطنعة، إلى أن جاءت ثورة 30 يونية فانتفضت القاهرة على هذا الموقف المخزى للقارة منها، وتأكد للقاهرة أن عزلتها الاختيارية أفقدتها الكثير من قواها فى دول القارة الأفريقية.

فكانت الدائرة الأفريقية أهم الملفات التى استحوذت على تفكير القيادة السياسية والرئيس (عبدالفتاح السيسى) فتحركت الرياسة المصرية بالطرق على أبواب القارة جميعاً ولملمة أواصل العلاقات التاريخية بين القاهرة والقارة.

وهنا بقى السؤال فى عقل القيادة السياسية، فأبواب الماضى التى استطاعت القاهرة أن تحصد بها هذا الرصيد فى القارة قد ضعفت نتائجها وتعددت مانحيها، فكانت خطوة القيادة السياسية لدعوة التكتلات الاقتصادية الثلاث فى أفريقيا للاجتماع فى القاهرة، فالاقتصاد بوابة الأمل لدول القارة نحو تحدى الحاضر والركب نحو المستقبل.

فجاء اجتماع شرم الشيخ ليجتمع رؤساء وقادة 26 دولة أفريقية يمثلون تكتلات (الكوميسا – السادك - دول شرق أفريقيا)، والتى اختتمت الأربعاء الماضى 10 يونية، حيث يفتح صفحة جديدة بين مصر ودول القارة السمراء فى العلاقات الاقتصادية والتجارية، ويعمل على توسيع نطاق وزيادة حركة التجارة وتسهيل انتقال البضائع والسلع والخدمات بين 26 دولة إفريقية، كما يسهم فى حرية انتقال رؤوس الأموال والأفراد، بالإضافة للمزايا الأخرى لـ«منطقة التجارة الحرة» كخفض الضرائب الجمركية على السلع والبضائع بين دول المنطقة، وتقليل تكلفة النقل، وتطوير أساليب التجارة والخدمات.

إن الاتفاق بين التكتلات الاقتصادية يعتبر نقطة انطلاق للشركات المصرية ونافذة للمنتجات المصرية هناك، يساهم فى زيادة الصادرات لتميزها بالجودة وأسعارها التنافسية. فأفريقيا أصبحت المنفذ المتبقى للمنتح المصرى بعد تراجع العديد من منافذ الأسواق العربية أمام المنتجات المصرية فى ليبيا وسوريا والعراق واليمن لما تعانيه من مشكلات داخلية.

صحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه لاختلاف ظروف الأمم والأحوال، ولكن للتاريخ قوانين تعمل أحكامها إذا تجمعت عوامل تستدعى هذه الأحكام. عود محمود لمصر، فالمصالح المصرية الأفريقية مصالح مشتركة متبادلة كانت وستظل.