رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو إعادة قيمنا الأخلاقية المفقودة

أشرنا فى المقال السابق إلى أن الاهتمام بالإشباع المادى لرغبات الجسد و جعله الغاية من السلوك هو ما تسبب فى واقع الأمر فى قلب القيم التقليدية للمجتمع المصرى رأساً على عقب، حيث إن ذلك السلم التقليدى للقيم كان مبنياً على عقيدة دينية وسطية معتدلة ترى فى الإشباع المعنوى وفى السلوك الأخلاقى القويم هدفاً أسمى من كل ما يخص الجسد وإشباع رغباته وشهواته. إن ذلك اللهاث وراء هذه الإشباعات المادية جعل القيم الأخلاقية الإيجابية تنزوى بعيداً، فالقيم الأخلاقية كما يقول علماء الاجتماع ما هى إلا انعكاس للأسلوب الذى يفكر به الناس فى سياق ثقافى معين و فى فترة زمنية محددة، وحينما تغير الأسلوب التقليدى لتفكير الناس من ذلك الأسلوب الذى كانوا يضعون فيه القيم المعنوية من صدق وأمانة وإخلاص فى العمل ووفاء بالوعود والعهود.. الخ. فوق كل اعتبار ويعتبرونها غاية فى ذاتها يريدون الوصول إليها فى سلوكهم الخاص والعام ويعايرون بعضهم البعض إذا لم يلتزموا بها! أقول لما تغير هذا الأسلوب من التفكير الأخلاقى الذى يعلى من شأن القيم المعنوية، إلى ذلك الأسلوب من التفكير الذى يضع الإشباع المادى والذى فوق كل اعتبار، انهار سلم القيم التقليدى وضاعت القيم المعنوية وأصبح من يتبعونها ويربون أولادهم عليها هم الآن الشواذ فى المجتمع وهم من ثم من لا يستطيعون التعامل مع الآخرين على أساسها، بل لقد أصبح هؤلاء الملتزمون بهذه القيم المعنوية التقليدية مثار سخرية ونقد من الآخرين!

وبدا التناقض واضحاً بين فئة يغلب على سلوكها الالتزام بهذه القيم المعنوية وهى الفئة الأقل عدداً و الأضعف تأثيراً، وبين فئة يغلب على سلوكها التشبث بتلك القيم المستحدثة اللذية – المادية – الشهوانية التى تسعى إلى الوصول إلى أقصى إشباع بأقل مجهود و بأقل تكلفة و فى أسرع وقت. وهذا التناقض بين سلوك الفئة الثانية وهى التى أصبحت الأكثر عدداً والأقوى تأثيراً جعل المجتمع يسير نحو فوضى أخلاقية نعاني منها.

وبالطبع فإن هذه الفوضى الأخلاقية التي أصابت البنية الأخلاقية للمجتمع المصرى تحتاج إلى جهد كبير من كل من يعنيهم مستقبل هذا المجتمع لأن الواقع خطير، وطريق الإصلاح يبدأ هنا من ذات كل فرد من أفراد المجتمع. والبدء من الذات مسألة غاية فى الصعوبة لأنه يحتاج لدرجة عالية من الوعى لدى كل فرد بأن عليه أن يعيد بناء ذاته الأخلاقية وفق قيم وتقاليد لم يعد يهمه العودة إليها! ومن هنا فنقطة البدء لابد وأن تكون من خلال إعداد برامج جديدة تركز على القيم الأخلاقية التى يراد إكسابها للناس مرة أخرى بشرط ألا تكون هذه البرامج بلغة خطابية مكشوفة، بل تكتب بذكاء ويستضاف فيها قادة الرأى والمفكرين والعلماء الذين يعتبرون قدوة صالحة فى مجال تخصصهم.

وهنا تبرز الخطوة الثانية، فبعد الاهتمام بدور الإعلام فى هذا المجال، يأتى الاهتمام بإبراز القدوة الحقيقية والتركيز على إعادة بنائها لدى أفراد المجتمع، فليس من شك أن القدوة الحقيقية قد غابت عن مجتمعنا منذ فترة طويلة لدرجة أصبحت معها قدوة شبابنا الآن هم لاعبو الكرة والفنانون والفنانات المستهترين منهم و المستهترات وأصبحوا هم قادة الرأى والضيوف الأكثر حظوة والأهم فى فقرات أجهزة الإعلام المختلفة ومن ثم لدى الشباب فى مجتمعنا. والحقيقة التى غابت عنا طوال الفترة الطويلة الماضية هى أن تغيير القدوة أصبح ضرورة ملحة ولابد أن نقصد إليها قصداً، فإذا ما أردنا لمجتمعنا أن يعود إلى سابق عهده من تقدير لقيم العلم والعطاء والإبداع فلابد أن يكون ضيوف برامجنا الإذاعية والتليفزيونية هم العلماء الأكفاء فى معاملهم وداخل معاهدهم العلمية، والمفكرون فى مكتباتهم، والعمال العاملون فى مصانعهم، والفلاحون الذين يكدون فى حقولهم. إن إعلامنا لابد أن يعبر عن حياة أبناء الوطن الذين يخلصون فى أداء عملهم والذين عليهم يبنى المجتمع تقدمه ويجنى خيراته، فإذا ما عدنا إلى تقديس قيمة العمل والعطاء، وإلى احترام العلم والعلماء، واحترام المفكرين والمبدعين وأصبحوا هم القدوة الحقيقية لشبابنا، سيسعى هؤلاء الشباب إلى تقليدهم و من ثم سيكون من بينهم العالم المبدع، والمفكر النابغة، والعامل الجاد والصانع الذى يتقن صنعته، والزارع الذى يتفنن فى العناية بحقله ومحصوله..الخ.

إن الطريق إذن إلى إعادة سلم القيم إلى ما كان عليه يبدأ من الاقتناع بوجود الخلل واكتشاف موطن الداء، ثم العمل الجاد على كافة الأصعدة السياسية والإعلامية والاجتماعية لخلق هذه القدوة الصالحة الحقيقية أمام شبابنا، و شيئاً فشيئاً ستنزوى القدوة الفاسدة بما تمثله من أخلاقيات سلبية وقيم استهلاكية زائفة ويستعيد المجتمع عافيته عبر سواعد أبنائه الذين اتخذوا من الحياة طريقاً للجد والاجتهاد، ومن العقل أداة للتأمل والإبداع، ومن الأجساد القوية أدوات للتنفيذ والإتقان فى كل عمل يدوى يقومون به.