رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نهر الحرمان

 

 فقر السعادة أخطر من فقر الاقتصاد، وعندما تصبح السعادة  مثل الفاكهة المحرمة  فنحن أمام خطر قومى.. ليس بالضرورة أن تكون غنيا لكى تكون سعيدا، ولكن حين تنتقل الاحتياجات  الفردية من حالة الخصوصية الى فضاء العمومية فالأمر هنا ينذر بالخطر لأن المشكلة تصبح خطرا قوميا وليست هما شخصيا.. الكتابة فى هذا الموضوع ليست ترفا شخصيا ولا «فذلكة مثقفين» ولكن عندما لا يكون فى مقدور الملايين منا الا النكش تحت تراب الأمانى  فهنا تكون المهمة قومية مادام الجرح انتقل من دواخل النفوس الى أرصفة الشوارع.. علينا أن نشخص حالتنا بشكل جاد وموضوعى.. نحن نعيش لحظة معاصرة ليست من صنعنا ولكنها من صنع انسان الشمال الأبيض وانسان الشرق الأصفر.. امتلكنا الموبايل والدش والانترنت وانتشرنا فى شوارع الفيس بوك والتويتر والانستجرام، وآخر الليل وحين يتغطى كل فرد بهمومه الخاصة يشعر مباشرة بأن الامتلاك شيء والسعادة شىء آخر..

مسألة الامتلاك انسحبت على الحياة الزوجية لمعظم المصريين الذين يقبلون على الزواج وهم فى عز الشباب بدافع ظاهره الحب وباطنه الامتلاك.. نهر الحب يفيض فى حياتنا وعاداتنا شهرا أطلقنا عليه شهر العسل، وبعده تبدأ مواسم الجفاف، وتتشقق قلوبنا من العطش العاطفى والانسانى لأن معظمنا ببساطه كان مدفوعا  للزواج ليس عشقا وانما قفزا اضطراريا من مراكب الحرمان أملا فى سباحة تطول ببحار العسل.. المفاجأة – وهى ليست بالمفاجأة – أن القفزة لم تكن فى بحر العسل وانما فى حمام سباحة جاف، والنتيجة ارتطام بأرضية الحمام والاصابة بحالة دوران وتوهان مزمنة بقية العمر.. كنا نشم ريحة الدنيا الحلوة بالمشى فى الشوارع والتنزه بالحدائق – وخلال أقل من عشرين سنة اللى عايز يتمشى يشوفله فيللا فى كومباوند ولو كان فقيرا يشترى شقة فى التجمع بمليونى جنيه ويعيش على مقاس فقره.. كنا نصيف فى رأس البر وجمصة وبلطيم، وكان كريمة القوم يقطنون بالشاليهات أم سقف خشب وجريد على البحر مباشرة.. عام 1971 وأنا ابن فلاح فصيح من بحرى وابن ال 15 سنة كنت فى بلطيم مع شقيقى، وكانت الرحلة بالنسبة لى نقلة حضارية فلأول مرة أنتقل من العوم فى الترعة للسباحة بالبحر الكبير- والأهم أنه كان بالقرب منا وعلى بعد خمسين مترا شاليه «يستأجره» الدكتور حافظ بدوى رئيس مجلس الأمة وأسرته – النواب الآن – وبجواره شاليه «تستأجره» الفنانة كريمة مختار وأسرتها رحمهما الله.. النهاردة لم يتبق لجموع المصريين الا أن يصطافوا على شواطئ الأحلام والأمانى لأن الساحل الشمالى كامل العدد ومحجوز لألف سنة مما تعدون، وأكثر من نصف ملاكه طبقة جديدة لا هى من سلالة فن السيدة كريمة ولا من أعضاء النادى الدبلوماسى والقانونى للسيد حافظ بدوى، ولا هى طبقة غنية بالوراثة ولا وسطى  بالمبادئ والأمانى.. لأ.. طبقة انفتاحية وظفت كل طاقاتها للكسب السريع وسط هذه المشاهد هربت السعادة من أمامنا ولم يجد جموع المصريين من عزاء لأنفسهم الا الاستسلام للماضى، وبدلا من أنهار السعادة التى جفت قفزوا من المركب ولكن هذه المرة الى محيطات التدين والمشكلة الآن أنهم تذكروا بعد القفز أنهم لا يجيدون أصول السباحة وعوضا عنها اكتفوا بفضيلة التسبيح التى لا تكلف صاحبها الا التمرس على ظاهر الايمان بغض النظر عن شرف العمل..! ومن هنا بدأ عصر المصرى المتدين بالفطرة.. أعتقد - وهذا رأى شخصى جدا - أن المصرى متدين بالضرورة والحاجة وليس بالفطرة، وأن مظاهر التدين الشكلية تعبر فى معظمها عن حالة افلاس ثقافى وحضارى وعلمى لأنها تنامت منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضى، ثم تعاظمت الحالة لدرجة أن جمهور هذا التدين الشكلى أمام أية دعوة للتفكير يأخذون المجتمع ولحظته المعاصرة باتجاه قبائل «مضر وتغلب» حيث توجد خيامهم وترابط خيولهم.. والله على ما أقول شهيد..