رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو المستقبل

قيم الحداثة وأسس التحديث.. (3) الحرية والفردانية

 

 

 

لا شك أن من أهم قيم الحداثة قيمة احترام الحريات وإعطاء الحق كاملًا لكل فرد فى التعبير عن آرائه وأفكاره ومعتقداته بحرية وأن يكون قادرًا على تحقيق طموحاته فى بيئة تحترم حقوق الأفراد وتدفعهم دائمًا إلى الأمام. ولقد نشأت الحداثة الغربية فى ظل ذلك الاحترام لقيمة الفرد والحرص على تمتعه بالحرية بكافة أشكالها. وقد عبر الفلاسفة عن ذلك بصور شتى، خذ مثلًا ما كتبه الفيلسوف الإنجليزى الشهير جون ستيوارت مل، مدافعًا عن حرية الرأى دفاعًا لم يبارزه فيه أحد فيما أتصور حينما قال: «إن البشر لو اجتمعوا على رأى وخالفهم فى هذا الرأى فرد واحد، فما كان لهم أن يسكتوه، بنفس القدر الذى لا يجوز لهذا الفرد إسكاتهم حتى لو كانت له القوة والسلطة».. وقد دافع عن مقولته تلك قائلاً: «إننا إذا أسكتنا صوتاً فربما نكون قد أسكتنا الحقيقة وأن الرأى الخاطئ ربما يحمل فى طياته بذور الحقيقة الكامنة، وإن الرأى المجمع عليه لا يمكن قبوله على أسس عقلية إلا إذا دخل واقع التجربة والتمحيص وإن هذا الرأى ما لم يواجه تحديًا من وقت لآخر فإنه سيفقد أهميته وتأثيره». وكذلك قوله: «إنه لا يسمح لأى من أعضاء الجنس البشرى كله التدخل فى حرية أى واحد منهم إلا حماية لنفسه، فالجزء الوحيد من سلوك أى واحد يخضع لسيطرة المجتمع هو ما يتعلق بالآخرين، أما الجزء الذى لا يخص سواه فإن استقلاله فيه حق مطلق، فالفرد سيد كامل السيادة على نفسه، إن الجنس البشرى يكسب بالسماح بعضه لبعض بأن يعيش كما يحلو له أكثر مما يكسب بإرغام كل واحد على أن يعيش كما يحلو للآخرين».

ويتضافر دفاع مل هذا عن الحرية مع دفاعه عن الفردية بوصفها عنصرًا من عناصر الخير البشرى، إذ إن من الحرية وتنوع المواقف تنبثق الحيوية الفردية والتنوع المتعدد النواحى وبقدر ما ينمى المرء فرديته تصير قيمته أكبر بالنسبة لنفسه، ومن ثم أقدر على زيادة قيمته بالنسبة للآخرين إذ يصبح وجوده أكثر امتلاء بالحياة وعندما تكون هناك حياة أكثر من الوحدات تزيد الحياة فى الكتلة التى تتألف من هذه الوحدات، وهكذا يؤمن مل بأن قوة المجتمع «الكتلة» من قوة أفراده وتمتعهم بالحرية التى تجعلهم أكثر إحساسًا بقيمتهم كأفراد.

ولعل هذا الدفاع عن الفرد وحرياته يثير تساؤلًا مهمًا حول: أين سلطة المجتمع على الفرد، فحديث مل يبدو وكأنه قد جعل المجتمع من أجل الفرد، وليس العكس؟.. وعن هذا التساؤل كتب مل فصلًا فى كتابه «عن الحرية» تحت عنوان «فى حدود سلطة المجتمع على الفرد» يؤكد فيه على ضرورة تضافر الفردية مع الحرص على مصلحة المجتمع فى ذات الوقت إذ ينبغى فى رأيه أن يكون للفردية ذلك الجزء من الحياة الذى يهم الفرد أساسًا وللمجتمع الجزء الذى يهم المجتمع أساساً، وهو لا يقلل من شأن الفضائل الفردية والاعتزاز بالذات، ويعتبر أنه لا ينبغى أن يعلو عليها شىء - إذا كان يعلو عليها شىء – سوى الفضائل الاجتماعية وأن من واجب التربية تنمية النوعين أى الفضائل الفردية والفضائل الاجتماعية.

إذن ثمة جدل ضرورى بين حق الفرد وحق المجتمع، كما أنه ثمة جدل بين الفضائل التى ينبغى أن يتمتع بها الفرد فى إطار من الفضائل الواجبة فى المجتمع، وهذا وذاك يتطلب مجتمعًا سياسيًا يسهر نظام الحكم فيه على مراعاة هذا الجدل والحوار الذى يؤدى إلى ذلك التوازن بين مطالب الفرد الحر فى مجتمع ليبرالى ديمقراطى يحافظ على النظام العام ويؤدى إلى التقدم.. وعلى ذلك قال مل بأن «أصلح حكم هو ما يؤدى إلى التقدم» يقصد تقدم المجتمع بكل أفراده إلى الأمام.. إذ إن «أهم نقطة امتياز فى أى صورة من صور الحكم هى دعم الفضيلة والذكاء لدى الناس أنفسهم، فأول سؤال بالنسبة لأى نظام سياسى هو: إلى أى مدى يعمل على دعم الصفات المبتغاة الأخلاقية والذهنية فى أعضاء المجتمع، فأحسن حكومة تفعل ذلك يغلب تمامًا أن تكون أفضل من غيرها فى كل شىء آخر، حيث إن هذه الصفات فى حدود وجودها لدى الشعب هى التى يعتمد عليها كل صلاح ممكن فى عمليات الحكم».. إن معيار الحكم على الحكومة –كما يقول مل فى موضع آخر– هو أثرها فى الناس وأثرها فى الأشياء، هو أثرها فى تكوين المواطنين وما تفعله بهم واتجاهها إلى العمل على تحسين الناس أنفسهم أو تدهورهم، وحسن ما تعمله من أجلهم أو سوئه.

وهكذا، فإن للنظام السياسى القائم فى أى دولة تريد دخول عصر الحداثة والتحديث الدور الأكبر فى ترسيخ قيم الحرية والفردانية فى المجتمع، وحينئذ تجد حماس أفرادها وجديتهم فى المشاركة فى البناء الحضارى والحرص على تحقيق التقدم فى كل مجالات الحياة.

 

[email protected] com