رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحمد بهاء الدين.. ومحمد عودة.. ومصطبة الحاج إبراهيم!

 

.. إذا كان اللوكيشن هو الصالون الثقافى والأدبى والفكاهى للعم صلاح السعدنى الذى جمع نخبة أهل الفنون والجنون فى مصر فإن مصطبة الحاج ابراهيم نافع الفلاح الذى استطاع أن يصبح شخصًا شديد التأثير فى محيط أهل الجيزة.. أقول مصطبة عم ابراهيم فى شارع الملك فيصل فى الجيزة اتخذ منها السعدنى مقرًا لاستقبال عشاق فنه فى الكلام، ولأن السعدنى متكلم عام على وزن مديرعام فان رواد المصطبة جاءوا  جميعا وهم يعرفون مسبقا انهم أتوا للاستماع إلى حديث  السعدنى والاستمتاع به أيضاً.. ولأن شخص السعدنى كان ثريًا بمن التقى بهم فى رحلة الحياة من بشر لا حصر لهم.. فيهم الغنى والفقير والكبير والصغير والمسئول العظيم والصايع الأعظم والذى يقف على أبواب المسئولين ويقترب منهم والذى يقف على باب الكريم، فان هؤلاء جميعاً ما كان لهم من لقاء أو مكان يجمعهم سوى ذلك الذى أطلق عليه السعدنى اسم المصطبة  وحوله اجتمع ممثلون لشعب مصر بأكمله، وشهدت هذه المصطبة لقاءات وحوارات وشخصيات ليس لها نظير فى مكان آخر، وبالطبع كانت المصطبة هى المكان الذى شدنى إليه، بالاضافة الى اللوكيشن، وفيه استمعت الى أحد كبار كتابنا ومفكرينا  العظيم الثقافة والاطلاع محمد عودة الذى هو أيضاً قليل الحظ فى الشهرة وأشياء أخري، فهو واحد من هؤلاء الذين تتزين بهم الأمكنة و يتشرف به أصدقاؤه ومحبوه، وهو بحر من العلوم ومحيط من المعرفة، يقرأ بالانجليزية والفرنسية والعربية، أمضى حياته كلها فى القراءة مهمومًا بقضايا هذا الوطن، وكانت أحوال مصر هى شاغله الأكبر، وقد أحزن العم عودة كثيرًا هذا التراجع فى الدور المصرى على كل مستوي، وكان فى الأوقات التى يتعب فيها السعدنى من كثرة الكلام يتسلل العم ويمسك بناصية  الحوار ويتكلم فى أهل الجيزة البسطاء ويسأل عن آرائهم فى الأحزاب الموجودة فيجد عندهم ما لا يسر عدوا ولا حبيباً، فيعود ليسلط الضوء على أحزاب ما قبل الثورة وكيف كانت وأيامها كان الحزب السياسى له جذور شعبية كالوفد وقياداته التاريخية الذين أفرزتهم الحركة الوطنية، وكان هؤلاء البسطاء لا يعلمون ماهو معنى الحزب  وما دوره وكيف أن اللعبة السياسية مثل كرة القدم يتنافس فيها الجميع من أجل الوصول الى المرمى أو الهدف، وكان من رأى العم عودة أن أى نظام حكم تعددى حقيقى هو النظام الذى تظهر فيه أحزاب لها برامج وأهداف تحقق مصالح غالبية الناس، ومن خلال انتخابات حرة نزيهة تتنافس هذه الأحزاب للوصول إلى الحكم، لكن العم عودة كان يرى أن أغلب أحزابنا هى أحزاب كارتونية ورقية وكيف لا  تكون كذلك وقد صدرت أوامر عليا بإنشائها وتكوينها ولم تنشأ من المصدر الحقيقى والوحيد والتربة اللازمة لإخصابها وهى الجماهير؟!.. وكانت كلمات محمد عودة ومنطقه البسيط يجبران الحضور على الانصات إليه بشدة ، وكان  يتجلى  وينطلق فى العلالى كلما تركز الحديث حول زعيم الثورة العرابية أحد أعظم أبطال الجيش المصرى أحمد عرابي، وكان محمد عودة يتمنى لو أنه جاء إلى الحياة فى ذلك العصر ليتحول إلى جبرتى يكتب أيامه ويسجل أحداثه فى حين كان السعدنى يحلم ويتمنى لو انه ظهر فى عصر المماليك العظام الذين يعتبرهم أعظم من  تفنن فى حبك المؤامرات والدسائس، وكان قطز والظاهر بيبرس هما البطلين الأقرب إلى قلبه.. وفى المصطبة جاء أحمد بهاء الدين تحيطه تلك الهالة وذلك الجلال الذى لا ينافسه  فيه أحد سوى محمد حسنين هيكل.. وقد ولد الأستاذ بهاء فى نفس السنة التى شهدت ميلاد السعدنى فى عام 1927، ومع ذلك فقد كان السعدنى يناديه بالعم بهاء وكان يبادله احتراما بغير حدود ويكن له نوعا خاصا من المحبة والتقدير وإن كان السعدنى قد أطلق على محمد حسنين هيكل لقب أعظم صحفى أنجبته أمة محمد فانه قال عن أحمد بهاء الدين انه الصحفى  الذى جعل الجميع يقرأون ما يكتب من أول رئيس الجمهورية إلى سواق الأوتوبيس.. وكان السعدنى يحب بهاء ويعشق كتاباته ويأنس له ويستمع إلى آرائه ويتونس بها، وفى مصطبة العم ابراهيم نافع استمع الى تحليلات خطيرة  لأحمد بهاء الدين، ونحن جميعا نعلم أن أى تجمع لأبناء مهنة المتاعب لابد أن يتناول الأوضاع فى عصورها التى شهدتها الجمهوريات الثلاث لناصر والسادات ومبارك.. وكان أحمد بهاء الدين يرى أن جمال عبدالناصر فاتته فرصة تاريخية للنهوض بمصر لتحاكى النموذج اليابانى أو التركى أو حتى الكورى وعندها  اعترض السعدنى على هذا الرأى قائلاً: «علىّ الطلاق ياعم بهاء إن اللى انت بتقول عليه ده مش مسموح به على الإطلاق».. ويضحك العم بهاء ويقول: ما هو لو صبرت علىّ شوية يا محمود كنت حاجاوب على كلامك ده.. لمصر موقع استراتيجى مهم للدول المسيطرة والتاريخ أثبت أنها مقصد لكل الغزاة ولجميع الامبراطوريات التى نشأت وخطورة مصر سبق أن أثبتها بعض المماليك الذين تخطوا الحدود بتأثيرهم وقواتهم وذهبوا باتجاه المشرق، لكن أخطر تجربة هى التى شهدها عصر محمد علي، ومن يقرأ بدايات هذه التجربة والنهايات الأليمة التى انتهت إليها كان لابد أن يدرك أن تخطى الحدود عقبة لا يمكن تجاوزها إلا  بدفع ثمن باهظ».. وهنا سأل الجميع العم بهاء: وكيف كان لناصر أن يحقق المعادلة المستحيلة بالنهوض دون أن يتجاوز الحدود؟! فأجاب العم بهاء: «كان عليه ان يهتم فقط بمصر وبالتحديث والصناعة والزراعة وعدم الاستجابة لأى استفزاز خارجي، ولو تجاهل الصراع العربى-الاسرائيلى أو عمل على تجميده فربما حقق نهضة خطيرة داخل المجتمع المصرى بحسه الوطنى وحماسه الشديد.. لكن السعدنى اعترض بشدة على رأى عم بهاء وقال: ان أعداء مصر يهمهم فى المقام الأول أن تبقى مصر ضعيفة مهمومة ضائعة، لاتقوم لها قائمة، فلم يكن الأمريكان ولا اسرائيل سيقبلان بمصر قوية. ثم يعود السعدنى ليسأل العم بهاء عن السادات وقد كان أحمد بهاء الدين قريبًا منه :«لقد جاء السادات وصنع العبور ودخل فى سلام مع اسرائيل، ومصر لم تحقق تطوراً، بل الذى تحقق هو تدهوار أو تطورا حتى انك يا عم بهاء أطلقت على ما جرى بعد الحرب بالانفتاح.. أنه انفتاح سداح مداح!!».

ويدخل الحاج ابراهيم نافع ويقول.. معلهش يا جماعة وياعم بهاء وياعم محمود احنا عمالين نقول لو. لو.. لو.. وما فيش حاجة بتحصل ولا حاجة بتتغير.. ولو .. دي.. حرف شعلقة فى الجو!». و يعود العم بهاء ليمسك ناصية الحديث  وهو يقول للسعدني.. «إنت عارف يا محمود ان السادات بعد الحرب بسنوات قليلة جداً أصدر قراراً بالإفراج عن جميع المتهمين فى قضية مراكز القوى وكان ناوى يعمل مصالحة وطنية.. لولا أن الذين اجتمعوا حول السادات ثارت ثورتهم وأجبروه على العودة عن هذا القرار، وكان على رأسهم سيد  مرعى». ويشدد العم بهاء على وطنية السادات وحسن نواياه ونظرته البعيدة للأمور فيقول: «لا يمكن أن ننسى أن السادات سبق المنطقة العربية وسبق عصره بربع قرن من الزمان، وهو الرجل الوحيد الذى استطاع التعامل مع إسرائيل.. وبالمناسبة عملية إخراج إسرائيل من سيناء كانت شبه مستحيلة وغير ممكنة خصوصاً مع رجل من الصقور مثل بيجن، لكن السادات أثبت أنه أكثر دهاء  من الإسرائيليين، واستطاع أن يسترجع أرضه، ولم يمهله القدر الوقت لكى يشهد رجوع آخر بقعة وهى طابا».. وأتصور أن الأمر كان  مقصوداً وهنا يقول السعدنى: «عمك السادات ـ قلب الترابيزة على الجميع.. وسجن كل الناس، فيه حد فى الدنيا يسجن محمد حسنين هيكل ومحمد عودة؟.. ده خبل سياسى».. ثم يعود السعدنى يؤكد لبهاء أنه شخصياً ـ أى بهاء ـ كان له موقف من السادات عندما آثر الابتعاد وسافر الى الكويت.. ويضحك العم بهاء وهو يقول: «محمود عاوز يقول إنى هربت.. فى الحقيقة أنا مش شخص تصادمى.. يمكن محمود عنده الحكاية دى، لكن أنا كان عندى رأى وفضلت أن أترك الساحة حتى لا يضغط على أحد، لكن لازم ولابد من الاعتراف بأن السادات استطاع بالبلدى أن يضحك على الإسرائيليين». ويرد عليه السعدنى قائلاً: و«كان الثمن غاليًا قوى يا عم بهاء.. فمصر خرجت من المعادلة العربية، و بعدين السادات بالحكاية دى عامل زى الأخ الأكبر اللى شاف واحد عمال يضرب فى أخوه الصغير ويطحن فيه ويقلعه هدومه و«بـ..»، وهو قاعد يتفرج ومنشكح على الآخر». ويضحك الحاضرون ومنهم العم بهاء.. ويعود ليذكر السعدنى بمقولة هيكل.. إن مصر بالنسبة للعالم العربى مثل البلدوزر الذى يمهد الطريق للآخرين، والعالم العربى سيمضى فى نفس الطريق لا محالة.. ويذكر الأستاذ بهاء ملاحظة شديدة الأهمية تخص نهايات عصر الرئيس السادات، عندما قال إن السيدة جيهان السادات  كانت تطيب  خاطر الكثيرين، وكانت لها مقابلات مع جميع التيارات تقريباً، وأن كثيرين كانت لهم آراء خاصة فيما تقول وكانوا يتمنون لو أن البت فى الأمور الداخلية والفصل فيها، كان فى يدى جيهان السادات لربما كان الحال أفضل كثيراً مما كان خصوصاً فى تلك الأيام العصيبة والعصبية التى تميز بها حكم السادات فى أيامه الأخيرة.

ويتطرق الحديث إلى الصحافة المصرية والجديد والحديث فيها، فإذا بالعم إبراهيم نافع يطلب أن ينضم الى المصطبة الأستاذ سمير رجب رئيس تحرير المساء ويسأله البعض عن سر اختيار سمير رجب فإذا به يقول: «لأنه جعل المساء جريدة فى أيدى الناس  كلها.. الجميع يحرص على قراءتها، فقد فتح صفحة لكتاب مصر فى الخارج وأسماها أهلاً بكتاب مصر فى صحافة مصر، وكان على رأس هؤلاء الكتاب عم محمود السعدنى وعم أحمد بهاء الدين، وأصبحت هذه الصفحة صفحة للتنوير والمفهومية».

وهنا يعترض العم محمد عودة على كلام إبراهيم نافع ويقول ان عم ابراهيم تحول من مواطن منتج الى مواطن مستهلك، فهو انضم الى أصحابه فى دولة الكلام يشرب الشاى والقهوة وينسى أنه أحد المنتجين.. ويسأل العم عودة عن الطواجن والفطير المشلتت واللحمة النيفة، ويقول إنه شبع كلام، وقد جاء الدور على الأكل ليكون حسن الختام وبالفعل كانت الطواجن هى المشهد الأخير فى كل جمع يضم هؤلاء العباقرة، والأفذاذ، ولعلهم كانوا لا يتناولون مثل هذا الطعام إلا فى حضرة السعدنى، وفى المصطبة التى أنشأها الحاج إبراهيم فى بيته فى شارع الملك فيصل والتى تحولت الى صالون أدبى ومنارة ثقافية وملتقى لكل صاحب فكر وصاحب رأى حتى أنها أصبحت مقصداً لكبار السياسيين و المسئولين فى بر مصر!!