رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نعم .. فرح المصريون بهزيمة «حزب أردوغان»

ولماذا لا يفرح المصريون بتراجع حزب العدالة والتنمية التركى فى الانتخابات التى جرت الأحد الماضى وأفقدته الأغلبية المطلقة فى البرلمان ؟نعم فرح المصريون بتراجع حزب أردوغان الذى يحكم تركيا منذ 13 عاما، لأن ذلك سوف يحرمه من تشكيل الحكومة منفردا ، وسيلجئه مضطرا إلى التعاون مع أحزاب تعارض سياسته الخارجية والداخلية لتشكيل حكومة ائتلافية، وسيمنعه-إلى حين بطبيعة الحال – من تغيير فى بنية السلطة التركية من النظام البرلمانى إلى النظام الرئاسى الذى يحوز فيه كرئيس للجمهورية على سلطات طائلة ، بعد ان فقد قدرته على الحصول على ثلثى مقاعد البرلمان من أجل تعديل الدستور، وسيدفعه تحت وطأة الضغط االشعبى الذى تمثل فى حصول حزبه على 41% فقط من أصوات الناخبين إلى تغيير فى سياساته الخارجية المندفعة والمغامرة –كما يصفها معارضوه الأتراك- التى ورطته فى الأزمة السورية منذ اندلاعها فى العام 2011 سعيا للإطاحة بنظام بشار الأسد،والتحالف مع إخوان سوريا وإخوان مصر ، ودعم داعش وتسليح المعارضة السورية الجهادية، والقيام نهارا بمشاهد تمثيلية مضحكة ضد إسرائيل ، والمضى قدما فى الليل لعمل مناورات عسكرية مشتركة معها، ومدها بمعلومات مخابراتية عن الصواريخ الموجهة إليها من حماس قبل وصولها الأراضى الإسرائيلية ، والتقارب مع إيران فى أعقاب اتفاقها مع أمريكا والغرب لتحجيم برنامجها النووى، على أساس أن الإسلام السياسى يحكم فى كلتا الدولتين، ورفض إيران لقيام دولة كردية فى العراق، وانعكاس موقف أردوغان من الأكراد الأتراك الذين يشكلون 20% من عدد السكان (75 مليون نسمة) حيث يعتبرهم عرقا من الدرجة الثانية ، على علاقته بأكراد سوريا المتمركزين فى مناطق متاخمة لحدود تركيا ،ومساهمة سياساته فى تأجيج الصراع المذهبى فى المنطقة. نعم ، ناوشت المصريين مشاعر فرح بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات التركية ، لأنها أسفرت عن تراجع فى شعبية حزب العدالة والتنمية، وهبطت بعدد مقاعده من 316 مقعدا (من بين 550 عدد مقاعد الرلمان) فى انتخابات 2011، إلى 258 مقعدا فى هذه الانتخابات بنسبة تراجع تصل إلى 9%،  بما يعنى التقليل من نفوذ رئيس الجمهورية «رجب طيب أردوغان» الذى استند إلى أغلبية حزبه فى البرلمان، لكى يتبع سياسة معادية لإرادة الشعب المصرى، التى عبر عنها فى ثورة الثلاثين من يونيو، وتنطوى على تدخل فظ فى الشئون المصرية الداخلية ، والانحياز الأعمى إلى طرف فى المعادلة السياسية يرفع السلاح فى وجه الدولة والمجتمع. فضلا عما تنطوى عليه تلك السياسة من نزعات إمبراطورية ساعية لإحياء «المجد العثمانى» التليد الذى كانت فيه مصر وشقيقاتها العربيات، مجرد ولاية عثمانية تحكم بالحديد والنار، ويتعرض الأحرار فيها للسجون والمنافى والمحارق والمجازر. لم تكن سعادة المصريين بهذه النتيجة رفضا للديمقراطية ، كما يروج الإخوان وأنصارهم، بل كانت علي العكس من ذلك ، دلالة على أن الشعب المصرى يراهن على هذه الديمقراطية ، فى تصويب المسارات الخاطئة التى كانت تسير فيها السياسة التركية بقيادة أردوغان، ليس لأنها تمثل حملة غير منصفة وظالمة ومضادة لمشاعره الوطنية، ولكن لأنها تضر بالعلاقة بين الشعبين التركى والمصرى، وبمصالحهما المشتركة ، التى ضحى بها أردوغان لأسباب حزبية وسلطوية ضيقة. وقادته هذه السياسة إلى حد التحريض العلنى للدول الأجنبية للتدخل فى الشئون المصرية ، وفى اختصاصات السلطة القضائية المصرية ، وهى أحد العمد الثلاثة التى يقوم عليها ، أى نظام ديقراطى ، وينبغى أن يحترم قراراتها كل الديمقراطيين الحقيقيين .نعم فرح المصريون بهذه النتائج،لأن فقدان حزب العدالة والتنمية الحاكم للأغلبية التى كانت ستمكنه من تعديل الدستور للأخذ بالنظام الجمهورى الرئاسى ، هو إنقاذ للديمقراطية التركية ،لأن الأخذ بهذا النظام فى ظل حزب إخوانى ،يتبنى هو نفسه إيديولوجية غير ديمقراطية، تسعى لإحياء نظام الدمج بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية ،هو تهديد للأسس التى قامت عليها الجمهورية التركية التى حددت سلطة الخليفة فى السلطة الروحية وحدها، وهى الأسس التى ترجمت فى أيامنا بمبدأ الفصل بين الدين والسياسة، قبل أن تلغى تركيا نظام الخلافة بالكامل. نعم فرح المصريون بتراجع شعبية حزب أردوغان، الذى خاض على امتداد 13 عاما معارك كإخوانه فى مصر، مع القوى الاجتماعية والسياسية والإعلام والقضاء والجيش والقوى الأمنية لتغيير معالم الدولة التركية، فلاحق معارضيه بالسجون والقوانين الاستثنائية الصارمة،  قلص حريات الإعلام والتعبير بمنع المظاهرات وقمعها، وإغلاق وسائط التواصل الاجتماعى، والتضييق عليها ، وتراجع دور المرأة فى عهده فى الحياة العامة، فضلا عن تفشى تهم الفساد بين معاونيه وعائلته،ورفضه الامتثال لحكم قضائى يقضى بتركه للقصر الجديد الفارة الذى شيده على مشارف العاصمة أنقرة، وكلفه من موازنة الدولة 615 الف دولار، وعودته إلى ممارسة مهامه من قصره القديم الذى زعم أن انتشار الصراصير به هو ما دفعه لتركه وبناء القصر الجديد . نعم فرح المصريون بتراجع حزب العدالة والتنمية ، بينما حزن الذين كانوا يراهنون على شقيقه حزب الحرية والعدالة الذى كان يسعى إلى أن يقود مصر فى طريق مسدود ، ينتهى بها إلى الخضوع لحكم استبدادى تقوده جماعة تفتقد للخبرة السياسية والكفاءة والمعرفة الإنسانية، ورئيس تابع يتلقى تعليماته من مكتب الإرشاد ، الذى كان أردوغان يحلم بأن يرأسه، ليضع على رأسه عمامة الخليفة ، وسيف السلطان «سليمان القانونى» الذى كان أكثر خلفاء الدولة العثمانية دموية. نعم فرح المصريون بتراجع شعبية» العدالة والتنمية» لأنه يثبت لهم أن خيارهم برفض الخلط بين الدين والسياسة وكشفهم لمخاطر تيار الإسلام السياسي على وحدة وطنهم وأمنه واستقراره ، وإطاحتهم بحكم دينى فاشى فاشل، كان خيارا صائبا، ولعله اثر بدوره بشكل ايجابى على اختيارات الناخب التركى. نعم ،فرح المصريون بهذه النتيجة، لأن أردوغان يقود مشروعا كانت جماعة الإخوان جزءا منه، يسعى لإسقاط شرعية الدولة الحديثة، بزعم أنها نتاج غرب استعمارى صليبى لاقامة الدولة الاسلامية التى تحكم بالشريعة، وهو المشروع الذى شاعت فى ظله أحكام التكفير، وتناسلت منه حركات تكفيرية تقتل وتذبح وترجم وتحرق باسم الدين الإسلامى، وهو ما أساء إلى صورة الإسلام فى أنحاء العالم، وألحق أضرارا بالغة بالجاليات الإسلامية فى الدول الغربية .نعم فرح المصريون ، ليس فقط لأن جزءا من وعيهم الذى عبروا عنه فى ثورة 30 يونيو ، ومكنهم من الاطاحة بحكم كاد يقودهم إلى الدمار، قد انتقل جانب منه إلى أشقائهم الأتراك ولكن كذلك لأن نتيجة الانتخابات التركية ، ستؤدى إلى تغيير كبير فى المعادلات الإقليمية و الدولية ، التى كانت تسعى لعزلهم ، وحصارهم وتحريض القتلة والإرهابيين على إشاعة الخراب فى بلادهم لتجويعهم، وما حدث يكسر شوكة هؤلاء الإرهابيين ، بعد أن يتراجع المدد السياسى لهم ،وتجف أنهار الدولارات التى كان يمطرهم بها أنصارهم فى المنطقة والعالم. نعم من حق المصريين أن يفرحوا ويتفاءلوا ،لأنهم يسيرون فى الطريق الصحيح نحو تحقيق أهدافهم فى العيش والحرية والكرامة الإنسانية.

أمينة النقاش