رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الربيع الأوروبى..

ما يحدث فى فرنسا اليوم مستصغر شرر لثورات قد تكون كبيرة ومغيرة لوجه وقلب التاريخ.. المسألة ليست أصحاب سترات صفراء من سائقى التاكسى تحديدًا خرجوا للشارع احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود ولكن لهذا الخروج الذى كبرت كرة النار معه جذور ممتدة تعود لما بعد الحرب العالمية الثانية.. أوروبا القديمة وقلبها لندن وباريس وبرلين وروما خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرين ومنهزمين وعين الجميع على عدم تكرار المأساة التى حصدت أكثر من ستين مليونًا من البشر، وبدلا من التنافس بالسلاح قرر الجميع أن الحروب القادمة يجب أن تكون حروب الدولار والتجارة.. حروبًا يموت الناس فيها من الجوع وليس القتل.. لا دماء فى الحرب الجديدة تسيل داخل أوروبا، وإن كان هناك ما يدعو للحرب فلتكن ميادينها خارج أوروبا وضحاياها من السود والملونين حيث لا ثمن للقتل.

سبعة عقود أعقبت الحرب العالمية الثانية أصبحت الرأسمالية بعدها بمثابة القوة النووية الرادعة لأى عدو خارجى ولكن نسى الأوروبيون أن من يصهر الحديد لابد وأن تلفحه النار وربما تحرقه.. الرأسمالية بعد انهيار سور برلين 1989  والسقوط التاريخى للشيوعية ممثلة فى الاتحاد السوفيتى السابق مطلع التسعينيات تحولت معهما الرأسمالية إلى حالة من التوحش وتضخمت الشركات العابرة للقارات وتجمعت الثروة بيد مئات الأفراد والكيانات التجارية وشيئا فشيئا انكشفت المجتمعات الأوروبية لتجد نفسها بعد خمسة قرون من الثورة على الإقطاع والكنيسة ضحية إقطاع جديد وعقيدة جديدة هى الرأسمالية التى لا تعرف إلا عبادة الدولار والسوق الحر العارى من أى قيمة أخلاقية أو إنسانية.. هل يمكن أن تنهار الرأسمالية المتوحشة كما انهارت الشيوعية الغبية؟

هذا وارد جدًا وما يحدث فى فرنسا اليوم مجرد سحب تتجمع فى الأفق – أما الأمطار والسيول والعواصف التاريخية فإنها بدأت تحركها تحت الأرض وفى قاع المحيطات الباردة وتنتظر فقط لحظة الفوران.. الرأسمالية الجديدة أو ما يسميها البعض «النيو ليبرال» تحمل داخلها عوامل فنائها لأن أوروبا القديمة فى القرن الثامن عشر والتاسع عشر لم يكن أمام قوتها البازغة إلا المستعمرات تنهبها وتنقل ثرواتها وعبيدها إلى قلاعها الجديدة. اليوم الأمر مختلف – صحيح هناك استعمار جديد يتحكم وينهب بدون احتلال عسكرى ولكن الشعوب المستعمرة اليوم ليست هى شعوب الأمس ولا عالم اليوم هو عالم القرن التاسع عشر.. الصدام قادم داخل أوروبا والرأسمالية ستنتهى بالانتحار والشعوب الجديدة لن تتحمل واقع أن 5% من البشر يملكون 95% من الثروة فى العالم وأن 95 من سكان العالم لا يملكون إلا 5% من الثروة.. الرأسمالية الجديدة قهرت حتى الأديان وحاصرتها داخل دور العبادة وأفقدت الانسان المعاصر الأمل فى عدالة الأرض والسماء – بل ودفعته دفعًا إما لإنكار الله أو التطرف باسم الله.. الحروب التى تأكل قلب وأطراف الشرق الأوسط ليست مستغربة لكونها تشتعل فى أماكن ولادة الأديان السماوية الثلاثة.. الحروب فى منطقتنا ليست على الإطلاق حروبًا سياسية أو صراعًا على ثروات ولكنها حروب على حدود الأديان والأفكار القديمة تستدعى الماضى البعيد ثم تلبسه أثوابًا عصرية.. ما يحدث فى فرنسا بداية ربيع أوروبى سيفكك يوما ما هياكل الرأسمالية المتوحشة وقد تكون الغلبة فى النهاية لما يمكن أن نسميه «الاشتراكية الديمقراطية» أى الفلسفة التى أخذت أفضل ما فى قيم الحرية والعدالة لتقيم بها عالما جديدا.. القرن الحادى والعشرون لن يغلق أبوابه على العالم بوضعه الحالى ولن تظل أوروبا وأمريكا حتى نهاية القرن كما نعرفهما اليوم.. أما العامل الذى لا يمكن تجاهل تأثير قوته الضاربة فى تشكيل العالم الجديد فإنه عامل البيئة والطبيعة.. لن تبقى أبدًا جغرافية ومناخ العالم كما هى اليوم.. كم من المحيطات المتجمدة ستذوب وتندفع مياهها لتغرق وتطمس مدنًا بكاملها. ومع ثورة المحيطات ستثور السماء هى الأخرى وسيصل لهيبها إلى الرؤوس.. وكما تغير العالم على يد أوروبا من قبل خمسة قرون سيتغير مرة أخرى وأيضا ستنطلق الشرارة من أوروبا – أما الشرق الأوسط ونحن شعوبه فسنظل بلا إسهام يذكر فى تشكيل العالم الجديد – هذا لو قدر لنا أن نكون جزءًا منه..