رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نور

لا زعيم بعدك يا نحاس

 

< تكلمنا فى المقال السابق عن أحد أهم شركاء سعد زغلول، فى قيادة ثورة 1919 الزعيم الجليل مصطفى النحاس، الذى يمتلك سيرة تستحق أن يعرفها الناس لأنها تمثل قصة رجل وهب حياته لوطنه بلا ملل، واجه صعوبات في حياته ولم ينحنِ يوماً أمام طغيان القوة الباطشة ولم يتراجع أمام طوفان السلطة لتبقى سيرته نقية لم يلوثها فساد حتى أنه مات عام 1965 وهو لا يملك ثمن الدواء.. وكان رأي سعد زغلول في النحاس غريباً جداً.. فقد كان يسميه «سيد الناس» وقال عنه «سريع الانفعال ولكنه لا يتغير بتغير الأحوال، وطني مخلص.. وهو فقير مفلس، ذكي غاية الذكاء.. وفيّ كل الوفاء، وله في نفسي مكان خاص».

< النحاس الذى كانت حياته مثل وفاته..عاش حياته زعيمًا مناضلًا يقاوم الاحتلال ولا يسعى إلى الحكم.. بل كان الحكم هو الذى يأتى أمامه وتحت قدميه.. وقد مات الرجل– أيضًا– زعيمًا، فخرج الناس من بيوتهم يوم 23 أغسطس 1965 ينحبون ويبكون رحيله.

< كانت جنازة مصطفى النحاس هى الدليل الأهم والأكبر على زعامته.. كانت مهيبة.. حاشدة.. فى عز مجد جمال عبد الناصر الذى صدمته هذه الحشود التى خرجت لتشييع رجل كان يعتقد أن سيرته قد ماتت قبل وفاته بثلاثة عشر عامًا قضاها تحت الإقامة الجبرية.. وكانت الصدمة الكبرى التى واجهها عبد الناصر هى الهتاف الرئيسى لمئات الآلاف الذين قالوا فى الجنازة «لا زعيم بعدك يا نحاس» فقد كان «ناصر» يغرس فى نفوس الناس كل يوم أنه الزعيم الأوحد.. ولا زعيم غيره.. فظهر النحاس ليقول له «لقد رحلت عن الدنيا.. ولا زعيم بعدي».

< عاش النحاس معظم حياته معارضًا.. وذاق طعم الحكم لكنه لم يبع وطنه من أجل مقعد فى البرلمان ولا رئاسة وزراء.. ثم قضى ما تبقى له من عمر مغضوبًا عليه من الحكام الجدد.. لكنه أبدًا لم يلن ولم يقل كلمة يحاسبه عليها التاريخ فقد كان مدافعًا صلدًا عن الديمقراطية التى غابت شمسها صباح يوم 23 يوليو 1952..وعندما تراجع سيرة مصطفى النحاس السياسية ستجده قضى معظمها فى صفوف المعارضة رغم أنه كان الزعيم الأوحد فى زمنه.. وحزبه «الوفد» صاحب الأغلبية..لكنه كان يفضل المعارضة بشرف عن الحكم بخضوع.. ورغم أنه تولى رئاسة الحكومة خمس مرات إلا أن أطول فترة قضاها فى الحكم لم تزد على عامين لأنه كان يقول دائمًا «يحيا الثبات على المبدأ».

< ورغم كل هذه الوزارات وكل هذا السلطان كان يعود الرجل بعد أشهر قليلة من الحكم إلى صفوف الجماهير، مناضلًا ومكافحًا من أجل الحرية والديمقراطية.. لم يفسد ولم يتربح.. حتى إن خصومه حاكموه فى البرلمان وأصدروا ضده كتابًا أسود واتهموه بالفساد لأن زوجته السيدة زينب الوكيل لم تدفع رسومًا جمركية مقررة على «فرير» حضرت به من الخارج وكانت ترتديه.. فاعتبره خصومه فسادًا!! وظل النحاس يواجه هذه التهمة الكبيرة بالفساد.. تهمة مرور زوجته بقطعة ملابس تم تصنيفها باعتبارها من الكماليات دون دفع الرسوم.. الرجل كافح وناضل ولم يسرق مليارات ولكنه لم يدفع رسومًا مقررة على قطعة ملابس فأصبح فاسدًا.. ظل مقيد الحركة حتى وفاته، وهو لا يملك سوى معاش لا يكفى تغطية ثمن الدواء.. عاش فقيرًا ومات فقيرًا.. ولكنه بلا شك رحل زعيمًا فماتت الزعامة من بعده.        

[email protected]