رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هدف داعش الاستيلاء على العرش السعودى (2)

عرضنا في المقال السابق الجزء الأول من العرض الشيطاني الذي قدمه أحد أبواق الدعاية الأمريكية ألستير كروك الذي يخلط فيه الأوراق تماماً بما تضيع معه حقيقة معالم الصورة علي الإنسان العربي، فيزعم أن العنف البشري الدائر في المنطقة حالياً هو نتيجة تطرف وهابي، وينكر تماماً دور المؤامرة الغربية في خلق التنظيمات الإرهابية وتمويلها وتسليحها وإذكاء نيران الفتنة بين السنة والشيعة، بعد أن عرض دور الجاسوس البريطاني سان جون فيلبي الشهير بعبدالله فيلبي في مساعدة ابن سعود في إنشاء المملكة العربية السعودية خلال عشرينات القرن العشرين.

يستطرد كروك عرضه زاعماً أنه نتيجة للخطر الشديد الكامن في المذهب السعودي فإن كلا من أمريكا وبريطانيا كانت سياستهما من البداية وحتي الآن تأييد الأهداف السعودية، والاعتماد علي الاتجاه السعودي في سياستهما بالشرق الأوسط، فالاستراتيجية التي وضعها للسعوديين لاقت نجاحاً مالياً فائقاً، مما أخفي عن بريطانيا وأمريكا رؤية الخطر الكامن في المشروع الوهابي، واحتمالات انفجاره في أي وقت إلي تطرف وعنف دموي كامن في طبيعته، وهذا هو بالضبط ما حدث بظهور داعش من باطنه، فالمشروع السعودي تحول من كونه طليعة إسلامية مسلحة إلي دولة، وحتي عبدالعزيز بن سعود نفسه واجه تمرداً وهابياً من ميليشيا الإخوان عندما تقدمت الميليشيات نحو أراض تسيطر عليها بريطانيا وحاول عبدالعزيز كبح جماحها، ولكن الإخوان كانوا ينتقدون محاولاته تحديث السعودية وإدخال خدمات البريد والتليفون ونحوه فيها فرفض الإخوان ذلك باعتباره تخلياً عن الجهاد، وبعد سلسلة من المواجهات الدموية بين عبدالعزيز والإخوان سحقهم عبدالعزيز عام 1929، وضم فلولهم التي أعلنت طاعتها له إلي الحرس الوطني السعودي، وواجه خليفته ابنه سعود رد فعل مختلفاً أقل دموية ولكن أكبر تأثيراً، فقد تم عزله عن العرش بمعرفة المؤسسة الدينية التي وضعت أخاه الملك فيصل مكانه بسبب البذخ الذي مارسه سعود في حياته، أما فيصل نفسه فقد قتله ابن أخيه عام 1975 نتيجة محاولات فيصل تحديث المملكة مما اعتبره المتشددون مثل القاتل خروجاً علي التقاليد الحقيقية للمشروع الوهابي.

أما أخطر الأحداث التي قام بها المتشددون فكان عملية الرخواني جهيمان العتيبي عام 1979 باحتلال الحرم المكي بحوالي خمسمائة متطرف ومتطرفة، وكان جهيمان ينتمي إلي قبيلة العتيبي النجدية التي كانت عنصراً رئيسياً في تمرد الإخوان في عشرينيات القرن الماضي، وكان جهيمان ورفاقه يتلقون دعماً سراً من رجال الدين وبينهم عبدالعزيز بن باز مفتي السعودية السابق، وقد أعلن جهيمان أن ابن باز لم يعترض أبداً علي تدريس الإخوان لأفكارهم التي كانت تنتقد رجال الدين لتراخيهم في مواجهة «الكفار» ولكن ابن باز كان يلوم جهيمان علي قوله إن الأسرة السعودية فقدت شرعيتها لأنها كانت فاسدة وحطمت الثقافة السعودية باعتناقها سياسة تغريبية عدوانية.

ومن المهم ملاحظة أن أتباع جهيمان كانوا يدرسون أفكارهم في عدة مساجد في السعودية دون أن يتعرض لهم أحد في البداية، ولكن عندما قبض علي جهيمان وبعض أتباعه لاستجوابهم عام 1978 قام بعض علماء الدين ومنهم ابن باز بالتحقيق معهم بتهمة الانحراف الديني ثم أمروا بالإفراج عنهم باعتبارهم مجرد تقليديين وليسوا منحرفين ولا يشكلون خطراً.

وحتي بعد فشل عملية احتلال الحرم المكي بقي هناك بعض التعاطف من رجال الدين نحوهم، وعندما طلبت الحكومة من العلماء فتوي تسمح للقوات المسلحة باقتحام الحرم كانت لهجة ابن باز والعلماء متحفظة، ولم يفت العلماء بتكفير جهيمان وأتباعه رغم انتهاكهم لحرمة الحرم المكي، فقد سمتهم «الجماعة المسلحة» ولم تتهمهم أبداً بالكفر.

ولم يكن جهيمان وأتباعة مجموعة مهمشة بعيدة عن النفوذ والثروة بل كانت تعوم في مياه صديقة متعاطفة، وقد كان جد جهيمان أحد قادة الإخوان الأوائل، وبعد سحق حركتهم عام 1929 انضم كثير من أعوان جهيمان الكبير للحرس الوطني السعودي، وكان جهيمان الصغير نفسه من رجال الحرس الوطني وهو ما مكنه من الحصول علي السلاح والتدريب، وحصل من المتعاطفين علي التموين الضروري الذي عاشوا عليه خلال احتلالهم للحرم، كما حصل جهيمان علي معونات مالية من الأغنياء المتعاطفين مع عملية احتلاله للحرم.

داعش في مواجهة السعوديين المقلدين للغرب:

سبب سردي لهذا التاريخ هو توضيح مدي عدم اطمئنان القيادة السعودية لصعود داعش وسيطرتها علي مساحات من العراق وسوريا، فقد تم سحق تمردات الإخوان في الماضي ولكن حركاتهم كانت داخل المملكة، ولكن داعش هي حركة إخوانية جديدة رافضة تمارس سلطتها خارج حدود السعودية ولكنها تسير علي خطي جهيمان في رفضها للأسرة المالكة السعودية، وهذا هو الخطر العميق الذي نراه اليوم في السعودية بين جناح التحديث الذي تزعمه الملك عبدالله وبين أنصار جهيمان التابعين لفكر بن لادن ومناصري داعش، وهو انشقاق أيضاً داخل الأسرة الحاكمة، وطبقاً لاستطلاع رأي نشرته جريدة الحياة السعودية عام 2014 في يوليو فإن 92٪ من الردود كانت تؤيد تطبيق القوانين الإسلامية والقيم الإسلامية، وقد نشر المعلق السعودي الشهير جمال خاشقجي التعليق الآتي حرفياً:

«هناك شباب غاضب ذو عقلية مضطربة في فهمها للحياة والشريعة، ويحاولون إلغاء ميراث حضارة قرون عديدة ومكاسب تحديث لم يتم بعد، فتحولوا إلي ثائرين وأمراء جماعات وخلفاء قاموا بغزو مساحات كبيرة، ويقومون بخطف عقول أطفالنا وإلغاء الحدود بين الدول ولا يقبلون بأي قوانين أو قواعد، ويتبعون فقط رؤيتهم للسياسة والحكم والحياة والمجتمع والاقتصاد، ويعتبرون أنفسهم رعايا الخليفة الذي أعلن نفسه خليفة لكل المسلمين وأعلن أن علي الجميع طاعته ومبايعته».

وتساء خاشقجي: فيما أخطأنا؟.. هناك حوالي أربعة آلاف سعودي يحاربون لدولة داعش اليوم، علينا أن ننظر داخل أنفسنا لنجد تفسيراً لقيام داعش، ربما يكون الوقت قد حان للاعتراف بأخطائنا السياسية وبإصلاح أخطاء أسلافنا.

الملك الداعي للحداثة أكثر الناس عرضة للهجوم:

الملك الحالي عبدالله «كتب المقال قبل وفاته» يتعرض لهجوم عنيف لسياسته التحديثية، فقد حد من نفوذ المنظمات الدينية والشرطة الدينية، وسمح بالعمل بالمذاهب السنية الأربعة بينما يعترض الفكر الوهابي علي أي مذهب سوي الوهابية.

السؤال الأساسي حالياً هو: هل ينجح تنظيم داعش وهل يستطيع تحريك ثمرة الثورة الكامنة في المملكة السعودية؟.. لو فعل ذلك وسادت السعودية حمي داعش فلن يعود الخليج العربي أبداً إلي ما هو عليه الآن، فستتفكك السعودية ويتحول الشرق الأوسط إلي شيء لا نعرف ملامحه، وربما يستطيع شيعة القسم الشرقي في السعودية الاستقلال، قد يعتبر بعض علماء الدين السعوديين أي تحديث استفزازاً لمبادئ الوهابية، وداعش مثلاً يعتبر أي تطبيق لغير الشريعة كفراً، والسؤال السياسي هو ما إذا كان نجاح داعش سيحيي جرثومة الثورة الكامنة في السعودية، فإذا أحدث ذلك فسوف تتفكك السعودية ولن يعود الخليج أبداً إلي ما هو عليه الآن، سيضعون المجتمع السعودي أمام مرآة ويقولون هذه صورتنا وقد فقدنا طهارتنا.

وإلي هنا ينتهي هذا العرض المسموم لأحد أبواق الإعلام الغربي الاستعماري ذي القدرة الفائقة علي خلط الأوراق وإضاعة معالم الصورة الحقيقية وسط كم هائل من الأكاذيب وأنصاف الحقائق.

يتجاهل الكاتب تماماً معالم المؤامرة الإجرامية لخلق شرق أوسط جديد تتفكك فيه كل دولة وتقوم علي أنقاضها دويلات متعادية علي أساس عرقي وطائفي وديني تتقاتل فيما بينها لخفض عدد سكانها ما أمكن، وتظل إسرائيل الدولة الوحيدة القوية المتماسكة في المنطقة.. يتجاهل الكاتب الدور الإجرامي الذي قامت به أمريكا في خلق وتسليح وتمويل داعش وغيرها من منظمات الإرهاب، وتمكين داعش من ابتلاع أجزاء كبيرة من العراق وسوريا، والإصرار علي تسميتها «الدولة الإسلامية» بدلاً من المنظمة الإرهابية.. يتجاهل الكاتب تماماً الاتفاق بين الاستعمار الأمريكي وعصابة الخونة الإخوانية الإرهابية علي التنازل عن ربع سيناء مقابل ثمانية مليارات دولار قبضها الخونة ومكنتهم من الفوز في الانتخابات وتشكيل حكومة قبل انكشاف المؤامرة وثورة الشعب الهائلة في 30 يونية 2013 التي سحقت الخونة.. يتجاهل الكاتب كل ذلك ويأتي بتفسيرات مضحكة لما يحدث بأنه تزمت من فكر وهابي عفي عليه الزمن يريد فكر تنويري تحديثي زحزحته فيثور أنصار العصور الوسطي وأهل الكهف ويصرون علي بقاء الحال كما هو فيندلع الصراع بين الجانبين.. كل ذلك والغرب الاستعماري «البرىء» يشاهد الموقف ولا يستطيع تغييره.. نقول في النهاية للسيد كروك وأمثاله إن شعوبنا قد أصبحت واعية إلي درجة يستحيل علي أمثاله خداعها.

 

الرئيس الشرفي لحزب الوفد