رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الروح الغائبة

الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) هو أول شعاع نور تسلل لعقول المصريين؛ ليبصروا به عالما غابوا عنه وغاب عنهم لقرون طويلة.. نزع الرجل عن عيون المصريين وعقولهم هذه الغلالة العثمانية المملوكية السوداء التي حجبت بلدا بكامله عن ركب الحضارة واحداث الدنيا بعد أن أبدع هذا البلد قبل خمسة آلاف عام ويزيد أول وأعظم حضارة إنسانية آثارها باقية حتى يومنا هذا.

في عام 1903 توفي الابن الأصغر للشيخ رفاعه (علي) وكان كاتبا وأديبا لامعا ورثاه أمير الشعراء أحمد شوقي قائلا: «يا ابن الذي أيقظت مصرَ معارفُه .. أبوك كان لأبناء البلاد أبا». عظمة الطهطاوى أنه عندما ارتحل إلى فرنسا إماما وواعظا عام 1826 مرافقا لبعثة ضمت اربعة وثلاثين طالبا كان بينهم سبعة عشر مصريا من أصل عثماني وسبعة عشر مصريا وطنيا خالصا أن عقل الأزهري التهم علوم الفرنجة ثم عاد لبلده ليخرجه من عتمة التخلف لفضاء عصر جديد. بعد عامين من البعثة أي عام 1828 عقد امتحان للجميع للوقوف على قدراتهم ونال السبعة عشر من أصول مصرية خالصة كل الجوائز الممنوحة للمتفوقين.

 لفت نجاح ونباهة الشبان المصريين انتباه المشرف على البعثة العالم الفرنسي «جومار» وكتب يقول: (إنه من المدهش الذي لا يكاد يصدق أن عربا أتوا باريس منذ عشرين شهرا تمكنوا من أن يعبروا عن أفكارهم بشعر فرنسي لا عيب فيه)، ومن اللافت أن « جومار» كان مدركا لعظمة رسالة وغايات هذه البعثة حين قال مخاطبا الشبان المصريين: «إنكم منتدبون لتجديد وطنكم الذي سيكون سببا في تمدين الشرق بأسره وأن مصر التي تنوبون عنها ستسترد بكم خواصها الأصلية».

 ولو تأملنا كلام العالم الفرنسي جومار سندرك أن ما عاد به رفاعة الطهطاوى وأصر على حقنه في عقول المصريين هو تعبير عن رؤية الرجل وقناعاته وقتذاك.

 لقد استوعب هذا الأزهري علوم فرنسا وأدبها وفنونها ولم يتشكك ولم يجبُن أمام هذا النور الصارخ الذي تشكك به وأوصد الباب بوجهه أجيال نعاصر بعضها اليوم تحت دعاوى الحفاظ على العقيدة والهوية في حين أن أعظم ما فعله وأنجزه الطهطاوى بعد عودته من باريس كان استعادة المصريين مشاعرهم القومية والوطنية بعد أن دفنها العثمانيون والمماليك في جبانات القهر والاستبداد تحت وهم أن العقيدة هي الوطن وأن الخليفة العثمانلي هو وكيل الله في الارض - وهي نفس فلسفة الاخوان المسلمين الذين تقول أدبياتهم إن الجماعة فوق الوطن وتجعل فهم الدين حكرا على علمائها.. المهم، إن حملة نابليون كانت صدمة كهربائية أضاءت وهزت وأيقظت ولم تمت أحدا.. الحملة زلزلت الشرق خاصة الجزء العربي منه ليفيق على حقيقة أنه دفن حيا في مقابر التاريخ العثماني من قرون.

 وفي حين فشلت الحملة العسكرية لبونابرت نجحت حملة رفاعة الطهطاوي التي قادته إلى فرنسا عام 1826 ليعود بعد خمس سنوات شمسا تنهي ليلا طالت ظلمته بأكثر مما تحتمل طبائع البشر.. في منشور نابليون للمصريين بعد أن استقرت بيده الأمور كتب لهم: «إن جميع الناس متساوون عند الله وإن الشيء الذي يفرقهم عند الله هو العقل والفضائل والعلوم..» ولم يكن وقتها الطهطاوي قد ولد بعدُ، وشاءت المقادير أن يولد يوم 15 اكتوبر 1801 وهو نفس اليوم الذي انسحبت فيه جيوش الحملة الفرنسية من مصر.

 لقد لخص استاذ رفاعة الطهطاوى المستشرق «كوسان دي برسفال» عام 1835 ما تمنيت أن أقوله اليوم 2018  حين قال « رفاعة الطهطاوى لم يكن مجرد مثقف يستمتع بالفكر والثقافة ولم يكن مجرد ناقل لفكر الغرب وحضارته.. رفاعة كان مناضلا في سبيل أن يوقظ أمته ووطنه.. «ولكل ذلك فإني أرى أن ما آلت إليه أحوالنا بعد قرنين من رفاعة هو اغتيال فكري ووطني لرجل ستمتد به الآجال في حين كم تتساقط من أسماء عاصرناها في طرقات الزمن غير عابئ أحد بها، لأنها لم تكن سوى أكفان بالية تلف أجسادا خاملة.. وفي زماننا ما جدوى تزاحم الأجساد بلا أرواح ثائرة على ضعفها..