رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

حرب أكتوبر في الذاكرة المصرية

هذا ليس مقالا عن حرب أكتوبر، فقد كتب بشأنها وما زال الكثيرون، وناقشوا  ما دار فيها من كافة الجوانب، ولكنه مقال عن الحرب في ذاكرة المصريين، وهو يرصد مفارقة ربما تبدو عجيبة، ذلك أنه إذا كانت آفة البشرية النسيان، فإن حرب أكتوبر في الذاكرة المصرية تسير على عكس هذه القاعدة. إذا لم تصدق ما أذهب إليه انظر حولك وتأمل ما يجري في مصر حاليا ستدرك صحة ما أقول. أي مراقب للموقف لو أنه لا يعلم تفاصيل ما جرى، أو جاء من كوكب آخر لتصور أن الحرب جرت بالأمس، ولم تدر رحاها ومعاركها منذ أكثر من 45 عاما. من الصعب أن تتخيل أن احتفالات بهذه الطزاجة وهذا التنوع والاتساع هي لحرب جرت منذ عقود، يعزز ذلك أن هذه الاحتفالات التي نراها ليست خاصة بسنة محددة تفرض خروجها على هذا النحو، كالاحتفال باليوبيل الفضي أو الذهبي للحرب، وإنما أصبح أمر الاحتفال والفرحة بنصر اكتوبر أو كاد يصبح تقليدا سنويا في الفترة الأخيرة، على نحو يمكنك معه أن تقرر إذا أمعنت فيما جري ويجري خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية نقلة في موضع حرب اكتوبر من ضمير المصريين وذاكرتهم.

من مشاهد هذا العام أو هذه الأيام احتفالات في مختلف أنحاء المحافظات، ليست رسمية وإنما شعبية، مظاهر الفرحة تبدو على وجوه الناس بذكرى النصر. تابعت خريطة أنشطة الهيئة العامة لقصور الثقافة لا يوجد قصر خلا من أي نشاط بشأن ذكرى النصر، ندوة نقاشية، لقاء شعري، استضافة شخصية محورية ممن لها باعها في سرد ما حدث.

أما الصحف، فالأمر ربما يكون اكثر وضوحا، فقد أصبحت الملفات الصحفية سمة أساسية من طقوس الاحتفال والتنويه بهذه الذكرى، لقاءات من كل نوع مع قادة الحرب من الجيل الأوسط الذي ما زال يعيش بين جنباتنا بعد أن رحل تقريبا القادة الأساسيون للحرب.

في الفضائيات، كان من العبارات اللافتة للنظر بالنسبة لي تلك التي راحت إحدى الفضائيات تبثها بين فقراتها «حرب أكتوبر .. انتصارات تتوارثها الأجيال» .. فضلا عن وضع شعار نصر اكتوبر على جانب الشاشة تكريسا للاحتفال بالمناسبة. كان من العبارات الأخرى ذات الدلالة تلك التي تشير إلى أن أحفاد رجال حرب اكتوبر يواصلون المعارك ذاتها على صعيد الحرب في «سيناء 2018» في حالة من التماهي البيّن بين أبطال الأمس وأبطال اليوم.

ما يلفت النظر أن الأمر لم يقتصر على مصر وإنما راح يمتد بمنطق العدوي أو بفعل اتساع تأثير مصر، إلى الأشقاء في الدول العربية، حيث يكاد الاحتفال بذكرى اكتوبر يكون تقليدا أساسيا ولو في وسائل الإعلام بشكل أساسي والصحافة بشكل خاص.

لا أشك لحظة في أننا قد لا نختلف على التوصيف، بقدر عدم شكي في أننا - من المؤكد - سنختلف على التفسير، إلى حد قد يعلو معه صوتنا وقد نتشاجر، بل قد يمزق بعضنا بعضًا إربا في النظر للأمر، خاصة إذا علمنا أنه أتى على المصريين حين من الدهر كادت تتحول معه حرب اكتوبر إلى «نسيًا منسيًّا». لا تسعفني الوقائع بقدر ما تسعفني الذاكرة في الإشارة إلى أنه ربما مثلت عقود حكم الرئيس الأسبق مبارك استثناء من الحالة التي أشير إليها.. حالة الزهو بنصر اكتوبر، حيث انزوت مناسبة الحرب في زاوية بعيدة من الذاكرة المصرية، مع استثناء جزئية دور مبارك كصاحب الضربة الجوية والتي حظيت بالتركيز والاهتمام.

 ولعل دراسة رصينة تتجاوز الخفة التي قد تسم سطورا في مقال بجريدة تؤكد هذه الفرضية، وتكشف أن ذكرى الحرب كانت خلال عهد مبارك تسير في مسار القاعدة الطبيعية، بأنه كلما مر الوقت أفل الحدث وتراجع الاهتمام به. على عكس ما كان عليه الوضع بالطبع في ظل حكم الرئيس السادات، صاحب قرار الحرب والذي كان ربما من الواجب والمفيد له تعزيز حالة الاحتفال بذكرى الحرب في ظل تباين المواقف من سياساته في المرحلة التي تلتها، وبشكل خاص اتجاهه للسلام مع إسرائيل. 

بعيدا عن المفارقة التي تحاول هذه السطور أن ترصدها ودون الانسياق وراء شهوة الحديث عن الحرب، فإن من حق المصريين أن يفخروا وأن يحاولوا أن يحيوا دوما ذكرى ربما تكون الوحيدة التي استطاعوا خلالها تقديم أكبر عمل عسكري معجز في تاريخهم، عمل فاق تصورات كل الخبراء العسكريين، بغض النظر عما لعبته السياسة من دور في إفساد نتائج الحرب!

[email protected]