رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نعم للاختلاف.. لا للخلاف

 

فى جدلية العلاقة بين أقباط مصر من المسلمين والمسيحيين هناك الكثير مما يستوجب قوله. حيث أقف مندهشًا للغاية وأنا أرى قلة من ذوى العقول المظلمة التى تمكن شيطان الإنس من امتطائها وانتزاع الإيمان من قلوبها، التى ختم عليها بمغاليق الغل والكراهية لكل ما هو جميل زين الله به الإنسان؛ وهجرت هذه القلة أعظم شيم الإنسان وهى الحب، رغم أن النبى (صلى الله عليه وسلم) أكد عليها بين الناس، حيث ذكر ابن مسعود: «أن رجلًا كان عند النبى صلى الله عليه وسلم فمر رجل، فقال يا رسول الله: إنى لأحب هذا، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: أعلمته؟ قال: لا، قال: أعلمه، قال: فلحقه، فقال: إنى أحبك فى الله! فقال: أحبك الله الذى أحببتنى له» كما أصبح السلام وسيلة للمحبة بين البشر، حين قال: «أفشوا السلام بينكم، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام». وقد أكد الكتاب المقدس على تلك الشيم النبيلة بين البشر حين ذكر: «طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِى طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ.» (بطرس22:1)

ويتبقى السؤال: هل من الإسلام أن نهجر السلام ونعادى الأغيار؟ سؤال ربما يحجم البعض عن طرحه، خوفًا من الإصطدام بذوى العقول المنغلقة بمغاليق العصور الوسطى، التى تبث سمًا زعافًا فى نفوس الضعفاء من شبابنا، وتدفع بهم إلى دائرة التطرف والظلام.

أذكر هؤلاء بأن سنة الله فى أرضه هى الاختلاف، فقد قال الله عز وجل: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»(الحجرات.13). كما قال: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (هود.118). وهنا قال المفسرون ولو شاء ربك لجعل الناس كلهم مسلمين. أما عن الاختلاف فقالوا هو الاختلاف فى الأديان، فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسى، ونحو ذلك. وفى موضع آخر قال الله عز وجل: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (النحل. 93).

وهكذا، أكد الله عز وجل على مبدأ الاختلاف فى الأرض، وهو الاختلاف الذى يؤدى إلى إعمار الأرض ونبذ الخلاف وطرح البغضاء جانبًا، والعمل على أن يحب المرء أخاه فى الله، فالله محبة.

علينا أن نذَّكر أصحاب تلك العقول أن المسلم الحق هو من سلم الناس من لسانه ويده، كما قال النبى (صلى الله عليه وسلم)، الذى ضرب لنا أعظم الأمثلة فى احتواء أهل الكتاب سواء بدستور المدينة الذى يعد أول قانون مدنى فى الإسلام ينظم العلاقة بين المسلمين والأغيار، أو بسلوك النبى الكريم حين استقبل وفد نصارى نجران فى المسجد النبوى وسمح لهم بالصلاة بداخله بينما المسلمون يؤدون صلواتهم.

لقد أقر الله عز وجل سمة مهمة فى المسلم الحق، وهى وجوبية إيمانه بالله والملائكة وبكافة الرسل والأنبياء والكتب السماوية السابقة على محمد (صلى الله عليه وسلم)، حين قال: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (البقرة. 285)

مهلًا...فلنعطِ للعقل مساحة كافية للإدراك، وأن نؤمن بأن للأغيار حقًا فى رقابنا سنسأل عنه يوم الدين؛ فعن ابن مسعود، قال النبي: «من آذى ذميًا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة.» وفى رواية أخرى: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه فأنا خصمه يوم القيامة.»

كاتب وأستاذ أكاديمي