رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وجنازة «النحاس» خير شاهد

 

يوم هب الشعب المصرى من كل فج عميق صوب مدينة القاهرة ليودعوا زعيم الأمة مصطفى باشا النحاس إلى مثواه الأخير، وكنت يومها فى مدينة «ميونخ بألمانيا» طلباً للعلم، وجاءت الصحف السيارة فى ذلك اليوم ممتلئة بالحديث عن مظاهرة ومسيرة نعش النحاس محمولاً على أيدى أبناء مصر من شتى الاتجاهات وجاء فى صدر هذه الجرائد جميعاً عنوان أثار الاهتمام جاء بها فى الصفحات الأولى هذا العنوان:

«للمرة الأولى فى حكم عبدالناصر يهتف الشعب المصرى من كل الجبهات لرجل ليس هو ناصر» وكان لذلك معنى أن الشعب بعد سنوات من حكم عبدالناصر والهتافات له والأغانى والأناشيد، يأتى صوت وراء الغيب ينادى فى حب وحماس».

«إلى جنة الخلد يا مصطفى النحاس»..

النحاس ضمير الأمة.. ويزدحم الموكب بهتافات صادرة من أعماق القلوب: شيباً وشباباً، رجالاً ونساء.. ومشى جلال الموت فى ظل الدعاء للراحل العظيم.. مصطفى النحاس، وحملوه ووضعوه فى قبره.

وكأن الشاعر كان يعنيه:

يا قبر هلل وكبر وألقى ضيفك جاسيا

عزيز علينا أن نرى فيك مصطفى...

شهيد الحرية والحق والعدل إليك آتياً

***

الإمام الفقيه أحمد بن حنبل ضد الوالى الذى أمر بحبسه، لم يقل سوى هذه العبارة: لكم الدنيا ولنا الآخرة...

«ليس بيننا وبينكم إلا الجنائز».

وفعلاً مشت الأمة خلف جنازة الإمام الفقيه ومات الخليفة غريباً فريداً.. وغاب عنه حب الناس ودعاؤهم.

***

إذن الجنازة هى الحكم الحقيقى لعظماء البشر، إلا أن كل من عليها فان، ولا يبقى كما قال الحكماء «ليست الرجال قيلاً وقال بل أمجاد وأفعال».

كان النحاس كما وصفه أولو العزم «صوفياً» لا يعرف إلا حقوق الله الخالق، وحقوق الأمة التى عبر عنها بأنها «مصدر السلطات».

ودقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثوانِ

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها

فالذكر للإنسان «عمر ثانِ»

***

وهكذا الفقيد العزيز على الأمة مصطفى النحاس قد شيد حياته مملوءة بالبطولات علماً وخلقاً وسياسة وعظات بالغات..

وفى يوم من أيام ذكراه ذهبنا مجموعة وفدية لنجدد معه العهد أمام قبره، وكأننى بما قاله الشاعر فى مناسبة ذكر الأحباب فى قبورهم، كأنه يرتل فى حزن وكأنه يناجى مصطفى النحاس فى قبره كما يناجيه ويهتف باسمه حال حياته:

اليوم نادى داعى الوفا

انهض من قبرك يا مصطفى

مصر الحبيبة قد ذكرت لك اسمها وأرى ترابك قد هفا

فكأننى بالقبر أصبح منبراً

وكأننى بك موشك أن تهتفا

وقد قالها حياً، مصر فى قلوبنا وديعة، لها نحيا وفى سبيلها نموت... الحق عنده فوق القوة، والأمة فوق الحكومة..

رددها بالحب واليقين صادرة من فم زعيم الأمة وصاحبه فى الكفاح والوطنية.. سعد باشا زغلول.

وكما قلت عنه فى خطاب فى الاحتفال بذكرى وفاته: «ذكر يوم أبد الآبدين، ودهر الداهرين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين».

ذكر يعطره الإيمان وحب الأوطان.. ذكر يرتله السجود الركع.

وهذا هو نبع القلب حين يحب زعيماً مصرياً خالص الوفاء للوطن، إنه حقاً وصدقاً كما قيل عنه: «إن مصطفى النحاس من أولياء الله الصالحين».

فسلام الله عليك يا مصطفى «سلام عليك فى الخالدين.. إلى يوم الدين».