رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحرب المؤجلة

 

تحت عنوان «الكفاءة والمحاسبة فى تقديم الخدمات العامة على المستويات اللامركزية والوطنية»  شاركت فى ندوة مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام الاسبوع الماضى ممثلا للمركز المصرى للشفافية ومكافحة الفساد والذى أشرف بعضويته.

معظم المتحدثين توقفوا أمام واقع المركزية الشديدة فى مصر خاصة مع غياب المجالس المحلية منذ عام 2011 وحتى الآن . استوقفتنى مداخلات مهمة ولافتة خاصة ما تفضل به الدكتور أحمد عاشور أحد أبرز أساتذة الإدارة من أن مشكلة الفساد فى مصر ليست فى حجم الظاهرة ولكن فى جذورها ورموزها. ويضيف الدكتور عاشور أن الفساد المؤسسى فى مصر منذ عقود جعل مهمة الاصلاح بيد الفاسدين أنفسهم والنتيجة أنهم يعطلون أى توجه نحو التغيير . الأستاذ عاصم عبد المعطى الوكيل السابق للجهاز المركزى للمحاسبات ورئيس المركز المصرى للشفافية ومكافحة الفساد قال إن حجم الفساد أكبر من القدرة على مقاومته لأنه بمرور السنين تحولت آلياته إلى ما يشبه العرف السائد الأقوى أحيانا من القانون.

 قلبت الكثير من الكلمات التى تفضل بها المشاركون وخلصت بينى وبين نفسى أن خطورة الفساد فى مصر أنه تحول إلى ثقافة وأن معايير الحكم على الفاسد وتوصيفه تغيرت بمرور الوقت. ما كنا نعتبره فسادا قبل خمسة عقود قد ننظر إليه اليوم أنه من سمات الشخصية المميزة والناجحة. حين يتحول الفساد من خلق معيب يلفظه المجتمع إلى ملمح من ملامح الثقافة السائدة ومدعاة للتفاخر أحيانا - فنحن أمام تحول يشبه الطوفان الذى يصعب الوقوف بوجهه.

 ودائما أتصور أن الفساد المالى بمعنى فساد الذمم أهون من فساد العقول والأفكار .. ما طرأ على المجتمع المصرى منذ مطلع السبعينيات إلى اليوم من متغيرات اقتصادية واجتماعية سيظل أخطرها تدهور منظومة القيم لصالح منظومات المصالح الفردية .. الفساد ضرب عقول المتعلمين أكثر من غيرهم لأنهم كانوا أكثر قابلية واستعدادًا للتفكير فى المبررات التى تحلل كل ما هو غير مشروع وغير أخلاقى .الدولة خلال نصف قرن ظلت الحارس للفساد بدلا من أن تكون المانع له .انتقلنا فعليا من حالة الانفتاح إلى عصر رجال الأعمال ثم إلى واقع الإقطاع المالى المرعب .. ثورة يوليو رفعت شعار القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال.

 ورغم إيمانى الشخصى بمباديء ثورة يوليو إلا أن ضرورات المراجعة تقول إن رأس المال فى حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى كان وطنيا رغم أن حمايته مربوطة بالقصر والسفارة البريطانية. اليوم رأس المال المتعاظم الذى خلق طبقة من الإقطاع المالى قد لا تتجاوز 5% من المصريين تستمد حمايتها من نظام مالى عالمى جديد لا يهم القائمين عليه فى الدول الكبرى والأكثر غنى غير استمرار توحش المؤسسات المالية والاقتصادية التى تعين قلة من الدول النافذة فى العالم على التحكم فى مصير باقى الشعوب .. ليس كل الأمل ميتًا فى مصر -  هناك دومًا طوق نجاة عند غرق أى سفينة - وفى الحالة المصرية طوق النجاة يتمثل فى الإرادة السياسية  للحرب على الفساد - تماما مثل إرادة الحرب على الإرهاب ..إن وجدت هذه الإرادة سيتقلص الفساد إلى الحدود العالمية المتعارف عليها والتى لا يجب أن تتجاوز 5% من حجم النشاط الاقتصادي.

 الحرب على الفساد أصعب بكثير من الحرب على الإرهاب. الفساد فيروس متحول ومحصن وجاهز لإفشال أى مضاد حيوى - أما الإرهاب ففيروس غبى يقتل بمجرد كشفه .. الإرهاب نفسه فى حالات كثيرة هو تجلى من تجليات الفساد - مما يدعوننى للتسليم بأننا فى حربنا على الارهاب نخوض المعركة الأصغر حتى الآن - والمعركة الأكبر لم تبدأ بعد.