رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو المستقبل

زكى نجيب محمود ربع قرن على الرحيل

حينما يهل شهر سبتمبر من كل عام يتذكر الفلاسفة وكل عشاق الفلسفة فى مصر والعالم فيلسوفنا الراحل زكى نجيب محمود، فهو رغم مرور ربع قرن على وفاته فى مثل هذه الأيام لم يغب عنا بفكره لحظة واحدة فهو دائماً الحاضر الغائب فى كل المناقشات التى تدور حينما يكون السؤال الذى لايزال يتردد منذ أكثر من قرنين من الزمان: ما الطريق إلى النهضة والتقدم؟ ورغم تعدد الإجابات وتجددها منذ رفاعة رافع الطهطاوى حتى الآن فإن إجابة د. زكى نجيب محمود من خلال مشروعه الفكرى الكبير منذ كتابيه العظيمين «تجديد الفكر العربى» و«المعقول واللا معقول فى تراثنا الفكرى» فى سبعينيات القرن الماضى تظل الإجابة الأكثر وضوحاً والأكثر حضوراً وقوة فى أذهان كل المهمومين بما عرف منذ ذلك الحين بقضية «الأصالة والمعاصرة»، فقد أكد بكل وضوح وبساطة – فى هذين الكتابين وفى كل ما كتب بعدهما – أن طريقنا إلى التقدم والنهوض لن يكون إلا بالعقل والعلم.

وكم كانت كل كتابات زكى نجيب محمود وخاصة مقالاته الأسبوعية فى «الأهرام» محاولة لايزال يمتد أثرها حتى اليوم وفى المستقبل لنشر الروح العلمية الوثابة فى كل من يقرأها. كما كانت دروسه فى الجامعة وأحاديثه فى كل الندوات التى حضرها تدفع طلابه ومحبيه دفعاً إلى انتهاج نفس النهج للحض على نشر التفكير العلمى فى المجتمع، وكم كان يسعده أن نٍسأله المشورة فى هذا الاتجاه. ولى معه فى ذلك موقفان، أولهما أننى حينما أعددت خطة لدراسة الدكتوراه كانت عن نظرية العلم الآرسطية ولما اختلف أساتذتى وزملائى عليها فى القسم متسائلين: وهل عند أرسطو نظرية علم؟! ذهبت إليه فى منزله القريب من الجامعة فكانت دهشته عظيمة ورد على الفور: نعم لديه وهذا هو الموضوع الأهم للدراسة فى أرسطو الآن فلم تعد تعنينا ميتافيزيقاه ولا رؤيته وتفسيره للعالم الطبيعى بل يعنينا أنه واضع أسس التفكير المنطقى والعلمى الأول فى العالم وأخذ يتحدث بتفصيل أكثر حول موضوعى وكأنه يقرأ من كتب أرسطو ما يفيدنى! وثانيهما أننى سألته بعد آخر ندوة دعوته لها بالكلية حينما كنت رائداً للجنة الثقافية: كيف يكتب مقالاته الفكرية بالأهرام حول أعقد القضايا الفلسفية والعلمية بهذه السهولة والوضوح فرد وهو سعيد بهذا السؤال: إننى لا أكتب فى أى موضوع إلا بعد القراءة التحليلية المطولة حوله وفهمه فهما جيداً. وحينما أكتب المقال لا أنظر فيه مرة أخرى بل أدفعه إلى المطبعة بنفس الصورة التى كتب بها لأول وهلة. ولما وجدنى مندهشا قال: يا ابنى أن وراء ذلك بالطبع خلفية كبيرة وعمراً طويلاً من القراءة والإلمام العميق بأسرار اللغتين العربية والإنجليزية، وقبل كل ذلك وبعده طريقة مميزة اكتشفتها لنفسى فى بناء المقال، ثم وجدته يتوقف قليلاً ليضيف: أن طريقتى فى كتابة المقال الفلسفى تحتاج لمن يدرسها دراسة علمية من منظور أدبى!

رحم الله فيلسوفنا الكبير الذى أخذت عنه هذه الكلمات كعهد بينى وبين الكتابه الفلسفية استفدت منه كثيراً. وربما تكون هذه مناسبة لأدعو الدارسين فى الأدب العربى لدراسة بناء المقال الفلسفى عند زكى نجيب محمود وكذلك لأدعو كل دارسى الفلسفة ومن يكتبون فيها لتبنى ومواصلة رسالة زكى نجيب محمود الفكرية سواء فى الدعوة إلى عقلانية التفكير والتأكيد على ضرورة اتخاذ المنهج العلمى طريقا للبحث والتقدم، أو فى الحرص على الكتابه الفلسفية بأوضح أسلوب ممكن حتى نجعل التفكير الفلسفى أداة للتربية النقدية ولنشر الأفكار التنويرية ومن ثم القضاء على التعصب والتطرف الفكرى.

[email protected]