رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

على فكرة

وداع يشبهك

خلتك  وأنا  أدخل مسرعة إلى السرادق المزدحم أكاد أتعثر فى خطواتى المرتبكة، وأتحاشى النظر لآخرين، تمد لى يدك كما كانت ممدودة لى دئما ـ مصحوبة بابتسامتك الطفولية الجميلة المحببة، التى  اعتدت أن تستقبل بها  أفراح الحياة البسيطة والمركبة، وأن تشهرها حتى فى مجابهة كل شرور الكون، وأن تحتوى بها كل خلاف، وأن تتجاهل عبرها الخوض فى سخافات، لتصحبنى وسط الزحام، الذى أثار دهشتك، إلى مقعد بجوارك لتخفف عنى لوعة الفقد والبعاد ولنبدأ النقاش، ونشرع معا فى تحليل المشهد.

حشد يملأ السرادق، ما يكاد ينفض، حتى يتجمع من جديد بكثافة تفوق ما قبلها: شباب وشابات، فتيان وأطفال، كهول وشيوخ، نساء ورجال أصحاء ومرضى، رسميون وشعبيون، من كل ألوان الطيف السياسى والثقافى والفنى والمهنى. ترى ما  الشىء المذهل القادر على أن يجمع  بين كل هؤلاء؟ ما الشىء المشترك بينهم؟ أهى صلابتك الشخصية التى تنظر إلى  القيم كشىء  واحد لا يتجزأ، وحاربت أفكارا بائسة تفرق بين السياسة  والأخلاق  لتبرر لأصحابها هوان أنفسهم  وتدنى أهدافهم؟ أهى القدرة الشخصية على اقتحام الآخرين  ومغالبة ترددهم وبعض خجلهم والتقاط ما يجمع بينهم وبين المختلفين، ومد الجسور بينهم، وإلقاء الضوء على ما يميزهم عن غيرهم فى أداء الأدوار العامة؟ أم هى قدرتك الفذة على النظر إلى  الموضوعات لا مع أشخاصها، وعلى الأفكار لا مع قائلها، وعلى البناء وسط مناخ  لا يجيد سوى الهدم، ولا ينتعش إلا وسط الخراب؟ أهى  تركيبتك الشخصية  المترفعة، أبية النفس المستقيمة السلوك، التى استوعبت سهاما جارحة على امتداد العمر، ولم تفقدك برغم ذلك صفاء نفسك وألق روحك الطيبة وقلبك الواسع  الكبير الذى ظلت أبوابه مفتوحة  للجميع، لم توصدها الخيبات، أضناه فقط  البحث عن عدالة الحياة وإنصافها؟ أم هو تأثيرك فى احتضان الصغار حتى يكبروا، والمرضى حتى يشفوا والضعفاء حتى يقووا؟ أهى شجاعتك واستعدادك الدائم للتضحية دفاعا عما كنت تؤمن أنه صواب، وأنه يخدم أهدافا عامة حتى لو كانت ضد مصالحك  الشخصية، ومشاركتك  الدائمة فى كل مشهد ينطوى على هموم مجتمعك وتطلعاته ومخاوفه؟ أم هو اخلاصك للمهنة التى أحببتها، وللحزب الذى ساهمت فى تأسيسه، وللوطن الذى أنجبك، وللشعب الذى وهبت عمرك دفاعا عن حقه فى حياة حرة كريمة خالية من الفقر والجهل والمرض والاستبداد؟.

إنه كل ذلك يا «سحس» وربما أبعد منه، فلا تندهش، فلدى كل واحد من هؤلاء بعض من فضلك، وأثر من أثرك، وبصمة من بصمات دورك الآسر الأخاذ. أما أنا فقد كنت  أكثر حظا  من غيرى إذ عرفت متعة العمل تحت رئاستك فى المهنة وفى الحزب وفى مجال العمل العام، فتعلمت منك، ونهلت من سلة فضائلك النادرة، التى تفتح فى لحظات التعاسة والبؤس، طرقا للأمل من أجل النهوض والترقى، واحتضان الحياة، والتمسك بمباهجها ومسراتها والدفاع عنها.  

لا تندهش يا «سحس» فما رأيت يشبهك تماما، إنه يفوق الحب، إلى الامتنان والفخر بأن  ما زرعت، بات حقولا  ثمارها مزهرة  وارفة  فى كل مكان، تستضىء الحياة بأنوارها، الآن وفى المستقبل.

اذهب أنت الآن  يا «سحس» راضيا، باسما، مطمئنا، فشاعرنا  أحمد شوقى  هو من علمنا أن: الناس صنفان، موتى فى حياتهم، وآخرون ببطن الأرض أحياء.