رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

كيف تشوه خصمك بامتياز ؟!

منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها بدأت اختلافات الإنسان مع غيره ممن يجاورونه أو يتعايشون معه، جرى ذلك سواء على مستوى الفرد أم المجتمعات أم حتي الدول. وقد تراوحت تسوية هذه الخلافات ما بين طرق رئيسية ثلاث، إما نقد الخصم بشكل موضوعي لكشف عيوبه ونقائصه، وهذه كانت تتم على مستوى الأفراد ممن يتمتعون بقدر من القيم والمبادئ، وإما عن طريق حسم الخصومة سواء بالقتل على المستوى الفردي كما فعل قابيل مع هابيل، أو خوض الحروب على مستوى المجتمعات، والتي تعتبر سمة خالدة وستظل طالما بقي الإنسان. بقيت هناك طريقة ثالثة لم يعدم التاريخ الإنساني لجوء الفرد والمجتمعات إليها وهي تشويه الخصم بالباطل للحط من شأنه والتقليل من هيبته، من خلال محاولة إلصاق مجموعة من الصفات السلبية به أو تفسير مواقفه على نحو يشكك في نواياه بما يزيد من حذر الآخرين منه وغير ذلك من مواقف، بما يحقق هدف النيل منه.

بعيدا عن الحديث المجرد خذ من واقعنا المحلي نموذجا، حيث تتعدد طرق تشويه الخصوم بشكل يعبر عن ازدهار مناخ الشر في عقولنا وتطويره بما يتوافق مع العصر. وقد يتم اللجوء في هذا الصدد إلى تحوير اسم الخصم ليعطي مدلولا سلبيا.. فإذا كان لقب عائلة الخصم مثلا الحيوان، فعلى الفور يتم إلصاق صفات الحيوان به باعتبارها أصيلة فيه..«أعمل أيه معاه ده حيوان».. وليست مجرد لقب! ولو أنه ينتمي إلى عائلات العربجي – هو لقب في بعض الدول العربية – لجرى الحديث عنه باعتباره عربجيا تحميلا للدلالات السلبية لمفهوم العربجي من همجية وعدم تحضر وتخلف!! وقد يتم استدعاء واقعة سيئة -  تحرش مثلا أو الاستيلاء على مبلغ من المال-  قام بها الخصم في مرحلة موغلة في القدم من تاريخه الشخصي ربما يكون تجاوزها أو طواها النسيان في ذاكرته للتلويح بها في وجهه في محاولة لإسكاته. وقد لا يتواني البعض في وصف خصمهم بأنه «رقاص» لا لشيء إلا لأن جدته مثلا وتحت ضغط الظروف المادية لجأت الى العمل شهرا في أحد الملاهي الليلية أيام الملك فاروق!

وقد يتم الإمعان في التشهير بالخصم إلى حد وصفه بصفات مرضية ليست فيه مثل العته والجنون، بل قد يصل الأمر بممثل الادعاء في مواجهة الخصم، لأن يرتدي ثوب الطبيب النفسي محاولا التفرقة ما بين الأمرين موضحا أن العته هو أن يتسرب الماء من فم الشخص (الريالة) المعتوه، وأما الجنون فقد يتم بأن يقوم الشخص الموصوف بهذه الصفة بإلقائك بحجر فيما تمر في الشارع، رغم أنك لو أتيح لك أن ترى الشخص المعتوه والمجنون في آن واحد، ذاك فستجد أنه في قمة الأناقة والشياكة والعقل والحكمة!!

لو تأملت في التاريخ يمكن أن تخلص إلى أمرين، الأول أن اللجوء إلى التشويه يتم استدعاؤه وبكثرة حينما يفتقد الشخص القائم بعملية التشويه الحجة والمنطق ويعمل على المداراة على نهج خاطئ يسير فيه. الثاني أن مستوى التشويه يرتبط بمدى قدرة الخصم على اجتذاب أنصار لموقفه. أفضل مثل يمكن تقديمه في هذه الحالة هو النبي صلي الله عليه وسلم، فعلى وقع ما حققه مما يمكن اعتباره ثورة في التاريخ الإنساني كان مستوى رفض مجتمعه المحلي له من خلال ترويج الأقاويل والأباطيل عنه وكان على رأسها كونه ساحرا مجنونا. وحينما تجاوز النبي هذا المجتمع والذي دخل في دين الله أفواجا، واتجه إلى العالم الخارجي، لم يصدق العالم المسيحي القائم آنذاك ما يحدث أمامه ولم يستطع تجاوز تصور أن ما يدعو إليه النبي لا يمثل سوى امتداد للهرطقة التي سبقه إليها آخرون مثل أريوس ونسطور وغيرهما فكان تشويهه بصفات مشينة يخجل المرء من سماعها ولعل ذلك السبب في حرص من ترجموا الكتابات الغربية على الإشارة إلى أن القلم يعف عن عرض الأوصاف التي جرى بها الحديث عن النبي«ص». فـ «دانتي» صاحب أكثر الأعمال الأدبية تأثيرا في التاريخ الإنساني – الكوميديا الإلهية – لم يستطع أن يخفي كراهيته وحقده على النبي فوضعه في «الجحيم»، وأخرون راحوا يطلقون عليه صفات سلبية من اختراعهم لم ترد في كتب الأولين أو حتى الآخرين، وأمام الانتشار الإسلامي الكبير لم يجد الغرب ذاته في آدابه آنذاك أن يقدم المسلمين الذين راح يطلق عليهم «السراسنة» سوى على أنهم أناس لا يرتقون سوى إلى مستوى آكلي لحوم البشر.

الخلاصة لا تندهش أو تصاب بالذهول اذا نظرت حولك يمنة أو يسرة، أو فتحت فضائية من الفضائيات أو قرأت في إحدى الصحف تشويها لشخص ربما يكون من أكثر الناس نزاهة.. فتلك العملية – تشويه الخصم – ليست سوى طابع من طبائع الاجتماع الإنساني، بـ«شره وخيره»  مثل الحقد والغيرة والحسد والكراهية والنفاق، والحب والصدق والتضحية والفداء!.

[email protected]