رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحكمة والمجانين

هناك مقولة ساخرة تقول «خذوا الحكمة من أفواه المجانين» على اعتبار أن المختل عقلياً تنتابه لحظات من الإفاقة تجعله ينطق بالحكمة أحياناً. وهناك أيضاً قول آخر مفاده أن «المجانين فى نعيم» على اعتبار أن المختل عقلياً لا يعى شيئاً عن مشاكل الحياة، وبالتالى فهو يحيا فى نعيم دائم.

أقول هذا لأننى تذكرت قول الراحل معمر القذافى، الذى اتهمه البعض بالجنون والشطط فى أفكاره وتصرفاته. أتذكر يوماً أنه قال - منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً مضت، فى إحدى خطبه المشهورة- تعقيباً على الخلافات الفلسطينية الإسرائيلية التى استحكمت حلقاتها، أن مشكلة فلسطين وإسرائيل لن تُحل إلا بإنشاء دولة واحدة تضمهما معاً، وقد تزيد باقتراح اسم لهذه الدولة، هو دولة (إسراطين)، نسبة لكلمتى إسرائيل وفلسطين، وبالطبع رفضت السلطة الفلسطينية هذا الكلام، واعتبرته نوعاً من الشطط والجنون، وأصرت على فكرة حل الدولتين على حدود 1967 وعاصمة الدولة الفلسطينية القدس الشريف.

نفس الشىء تقريباً حدث فى الأيام القليلة الماضية، إذ خرج علينا الرئيس الأمريكى ترامب بأضحوكة أخرى، زعم فيها أنه لا يستبعد أن يأتى يوم يكون فيه رئيس وزراء إسرائيل شخصاً يدعى محمد - نسبة للرسول عليه الصلاة والسلام - مدعياً أن صفقة القرن التى ينادى بها، تقوم على فكرة إنشاء دولة واحدة يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون جنباً إلى جنب، يتمتعون فيها جميعهم بنفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات. فهو يرى أن رؤيته لصفقة القرن إذا ما لقيت قبولاً من الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى، فإنه لا يستبعد أن يأتى يوم يكون فيه رئيس الوزراء الإسرائيلى فلسطينياً مسلماً اسمه محمد.

هذا الكلام صدر فعلاً عن الرئيس الأمريكى ترامب فى الأيام القليلة الماضية، وقد دعا كلاً من الفلسطينيين والإسرائيليين لقبول صفقة القرن التى يقترحها؛ لأن فيها مصلحة لكل من الطرفين؛ حيث يعم السلام - عن طريق هذه الصفقة - المنطقة العربية كلها، وعلى وجه الخصوص سينتهى الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين بلا عودة.

وبطبيعة الحال سرعان ما أعلنت السلطة الفلسطينية رفضها هذا المقترح، مع إصرارها على أن تكون هناك دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

الحديث الذى صدر عن الرئيس الأمريكى ترامب مؤخراً يكاد يتطابق مع الحديث الذى قاله الراحل معمر القذافى، رئيس ليبيا السابق، فكلاهما يدعو إلى الصلح بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن يحيا معاً فى دولة واحدة، أطلق عليها الراحل القذافى (إسراطين).

 نفس الشىء تقريباً ذكره الرئيس ترامب فيما أطلق عليه صفقة القرن، والتى يسعى لتنفيذها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن مع اختلاف وحيد، هو ما يتوقعه من أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلى - يوماً ما - اسمه محمد.

لست أدرى، هل كان هذا عبارة عن تواتر أفكار بين الرئيس ترامب والراحل معمر القذافى؟؟ أم أن كليهما قال هذا الكلام عن قناعة تامة بأنه لا حل للمشكلة الفلسطينية الإسرائيلية إلا بإنشاء دولة واحدة تضمهما معاً؟؟ أم أن هذا الكلام ما هو إلا ضرب من الخزعبلات والفكاهات التى تطلق من حين لآخر كبالون اختبار؟؟ وغنى عن البيان، أنَّ العلاقات العربية - الاسرائيلية عامة فى هذه الأيام علاقات طيبة، ولم يبق إلا المشكلة الفلسطينية - كعقبة وحيدة - لحلول السلام فى المنطقة العربية.

وعلى كل حال.. فإنَّ الأمر - أولاً وأخيراً - فى يد الفلسطينيين أنفسهم، فهم أصحاب الحق فى قبول أو رفض فكرة التعايش السلمى مع الجانب الإسرائيلى، ومع ذلك يجب علينا أن نأخذ فى الاعتبار أن فهناك بالفعل الكثير من الفلسطينيين الذين يعيشون مع الإسرائيليين فى دولة إسرائيل، بل ومن بينهم أعضاء فى الكنيست الإسرائيلى.

وتحيا مصر.