رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

لسنا ثيرانا ولن نكون!

صدمنى زميلى وصديقى الكاتب المبدع مصطفى عبيد بمقاله الذى نشره منذ أسبوعين تحت عنوان «مطلوب بقرار جمهوري» ويطالب فيه رئيس الجمهورية بإصدار قرار بحظر تعدد الزوجات.

تحفظى على ما أورده عبيد يتمثل فى اعتبارين اولهما أنه اعتمد رأيا يبدو شاذا فى النظر لقضية التعدد، فليس كل قول يقدمه ماهر فى رأيه أو غير ماهر يمكن اعتماده واعتباره من تلك التى يجب اعتمادها فى التشريع على أساس دينى أو حتى غير دينى. من ناحية ثانية فإن المنطق الذى يقدمه عبيد فى مقاله يدحض نفسه بنفسه.

أناقش هنا ما ورد فى المقال من منظور سياسى إجتماعى وليس من منظور دينى فذلك الأخير أمر قدم فيه الفقهاء أراءهم على مدار القرون الماضية منذ ظهور الإسلام حتى الآن، ولعل فيما كتبه الزميل إسلام الشافعى فى «الوفد» أيضا مثل ردا غير مباشر ينطلق من هذا الأساس على ما ورد فى المقال. ليس ذلك فقط بل إننى سأقف – بشكل افتراضى – على ذات الأرضية التى ينطلق منها عبيد، وهو إمكان إعادة النظر فى الموقف التشريعى من تعدد الزوجات، إنطلاقا من مبدأ جواز قيام ولى الأمر أو الحاكم بوقف تطبيق نص فى ظروف استثنائية كما فعل عمر بن الخطاب بالنسبة لحد السرقة فى عام المجاعة.

لقد أشار عبيد فى مقاله إلى إلى اعتقاده بأن الإسلام لم يبح التعدد بشكل مطلق، وفى ذلك جزء من الرد على دعوته بوقف تعدد الزوجات، حيث يعنى أن التعدد – من منظور التشريع الإسلامى – ينبغى أن يكون فى حدوده الدنيا ما يجعل الأمر لا يرتقى إلى حد كونه ظاهرة مزعجة فى المجتمع الذى يأخذ بهذا المبدأ.

وإليك هذا المثل التطبيقى من الحالة المصرية التى يدعو عبيد إلى قرار جمهورى من أجل وقف التعدد فيها، ليس لدى أرقام محددة ولكن أتمنى لو قدم عبيد أو غيره أرقاما بشأن نسبة التعدد فى المجتمع المصرى. أتصور أنها لن تتجاوز بأى حال من الأحوال نسبة الـخمسة بالمائة، وهى نسبة بالغة الضآلة لا تعبر عن مشكلة يمكن اعتبارها أولوية يجب توجيه الأنظار لحلها والحد من تأثيراتها السلبية على المجتمع، مقارنة مثلا بقضية الطلاق التى يجب أن تحظى بإهتمام غير عادى نظرا لتجاوزها الحدود المعقولة والمقبولة بشكل يهدد حالة الاستقرار الأسرى للمجتمع المصرى.

وهذا ينقلنا لجانب آخر فى الرد على ما أورده عبيد، من أن موقفه تغيب عنه الواقعية السياسية، فقد حظيت قضية الطلاق باهتمام الرئاسة وخرج علينا الرئيس السيسى نفسه بموقف خاص دعا المجتمع إلى بحثه بشأن ضبط الطلاق الشفوى، وهنا هاجت وماجت الدنيا بما فيها مؤسسة الأزهر، إلى الحد الذى دعا الرئيس إلى التعبير عن آساه من أنه حينما أراد الإصلاح كان تلقى دعوته بالسلب.

إذا كان هذا هو موقف المجتمع من الموقف الرئاسى بشأن قضية – الطلاق – يسود الخلاف بشأنها فى إطار الفقه، فما بالك بموقف المجتمع المتوقع والمفترض على دعوة رئاسية بوقف العمل بنص قرأنى بقرار جمهورى. إذا أضفنا إلى ذلك حالة الاستقطاب السياسى الحادة فى المجتمع المصري–والذى يأخذ شكلا دينيا فى بعض الأحيان بحكم وجود صراع مع جماعة الإخوان ذات الخلفية الدينية- بين فريقين تتمثل فى أغلبية مؤيدة للنظام وأقلية تتربص له فى كل شاردة وواردة، لنا أن نتصور رد الفعل وإمكانيات استغلاله للإيحاء بأن هذا النظام يتلاعب بالقرآن والدين، فى محاولة الخصوم اكتساب تأييد أو أنصار من الجانب المقابل.

إذا وسعنا نطاق النظر، واستدعينا الحالة التونسية وهى حالة يتسم فيها المجتمع بطابع أكثر علمانية على عكس المجتمع المصرى الذى تغلب عليه الطبيعة الدينية، فإن هذا الاستدعاء يكشف لنا عن تهافت مطلب وقف التعدد بقرار جمهورى. لقد إنقسم المجتمع التونسى بشكل كبير على خلفية موقف رئيسه بشأن المساواة فى الميراث بين الرجل والمرأة، فما بالك بموقف المصريين من وقف تعدد الزوجات.

ينقلنى ذلك إلى الإشارة إلى أن هناك بعض القضايا فى التشريع الإسلامى تبدو شائكة يستغلها الكثيرون من خصومه فى الغرب بشكل أساسى من أجل النيل منه، إلى حد تصور أمثال هؤلاء أنهم بخوضهم مثل هذه القضايا يكونون كمن دخل حلبة مصارعة ثيران، ليس مطلوبا منهم سوى التلويح بقطعة القماشة الحمراء من أجل تهييج الثيران، وهو ما يستدعى من وجهة نظرى ضرورة التعاطى الهادئ والرزين مع هؤلاء الخصوم، سواء كانوا فى الغرب، ام يعيشون بين ظهرانينا.. فلسنا ثيرانا ولن نكون.

إن الإسلام دين عظيم، وقد ألقى بتأثير هائل فى حياة البشرية منذ ظهوره، ودفع بها إلى الأمام وساهم فى تقدمها، غير أنه فى النهاية يبقى، كما يشير علماء اجتماع الأديان، محكوما بطبائع الأديان، من أن بعض مبادئه حمالة أوجه ويمكن استغلالها وإساءة تطبيقها وهذا لا ينتقص منه.. وذلك هو المعنى الذى لا يجب أن يغيب عن أذهاننا بأى حال من الأحوال.

[email protected]