رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

على فكرة

عن فاتن وزوجها والتمثال

بعد نحو عامين من فراقها، توفى الدكتور محمد عبدالوهاب، أحد رواد طب الأشعة والتحاليل وأول من منح جهده وعلمه وموهبته العالمية لتطوير هذا القطاع فى مصر، والرجل النادر الذى كان يفخر علنا بأنه زوج فاتن حمامة، الفنانة التى طبقت شهرتها الآفاق، وسكنت ولا تزال فى قلوب محبيها، لسبب موهبتها الفريدة التى لم يكن أخد يجاريها لا من قبل ولا من بعد.

خطفت «فاتن حمامة» قلوب عشاقها من المحيط إلى الخليج، من باب لم يستطع أحد آخر أن ينافسها فيه، باب البساطة والبراءة والتلقائية. حباها الله بصوت كصوت الكروان، وبوجه لا يقارن بمقاييس الجمال الصارخة، لكنه يتكامل فى تكوينه ليقدم لوحة فاتنة لجمال وجه يخطف الألباب من فرط عاديته ودقة ملامحه، وجه وصفه مخرجها الأثير «بركات» بقوله «وجهها هو الشعر، هو الموسيقى، لا مثيل له، ولا بديل عنه للتعبير عن المعانى التى أبغيها».

لم يكن التمثيل بالنسبة لها شهرة ومالاً وحضوراً دائماً فى قلب الأضواء، بل هو قضية تشغل تفكيرها ووجدانها، ومجتمعها، وحين تحمل من هى فى مكانتها فى قلوب الناس، وفى ساحة الإبداع، هذه القضية، فالتأثير الإيجابى حاضر لا محالة. والأمثلة أكثر من أن تحصى. «آمنة» المحبة العاشقة والمتسامحة فى «دعاء الكروان» التى حملت على أكتافها أول معالجة لمسألة القتل ثأراً لقضايا الشرف فى السينما العربية، والحب الذى دفعها للمشاركة فى عمل سرى ضد الاحتلال فى «لا وقت للحب» ودعمها لقضية تعديل قانون الأحوال الشخصية لصالح النساء فى «أريد حلاً» ومناقشتها لقضية الديمقراطية فى «إمبراطورية ميم»، ومساندتها لأجيال تالية من الممثلين والمخرجين، فى فيلمها «يوم مر.. ويوم حلو» للمخرج خيرى بشارة والسيناريست فايز غالى مع نخبة من الممثلين الشباب بينهم «عبلة كامل، ومحمد منير، وأحمد كمال، وحنان يوسف، وسيمون». كما عملت مع يحيى الفخرانى وداود عبدالسيد فى واحد من أجمل أفلامها، وآخرها، وهو فيلم «أرض الأحلام».

حصنت «فاتن حمامة» حياتها الخاصة ضد التلصص والحكايات الإثارية الفارغة، وآثرت أن تكون العلاقة المباشرة بينها وبين العالم، هو فنها وعملها العام، حين تدلى بأحاديث صحفية تقول فيها رأيها فى الشأن العام بحكمة وبصيرة، وتراكم ثقافى يتجلى فى إبدائها لهذه الآراء.

لم تشغل فاتن نفسها بمعارك صغيرة، ولم تتلفظ بكلمة أو جملة تسىء إلى أحد من زملائها، فى أى لحظة، على الرغم من أن بعضهم قد وجه إليها بعض هذه الإساءات. تساءلت مريم فخر الدين بضيق كثيراً، لماذا تسمى فاتن حمامة سيدة الشاشة العربية وهل نحن خدمها؟.. مع أن «فاتن» لم تسع يوماً لإطلاق ألقاب على حضورها الآخاذ فى السينما العربية، كما تفعل غيرها، اكتفت بموهبتها الفذة الصادقة لتؤكد هذا الحضور، وكان الكاتب الصحفى عبدالنور خليل هو الذى أطلق عليها هذا اللقب.

ملأت فاتن حمامة حياتنا بالبهجة والرقة والعذوبة والتحلى بالمسئولية الفنية والاجتماعية. وقدمت عبر مسيرتها التى يصعب اختزالها فى كلمات قليلة نموذجاً فنياً وإنسانياً وحياتياً حين يفكر المرء فى الصورة المكتملة، لا يستحضره سواه، كما صنعت من هذا النموذج، معياراً لما هو جيد، وما هو ردىء، وما هو طيب وما هو خبيث، فى الفن والحياة معاً، وليبق هذا النموذج حياً فى الضمائر، ومتربعاً على عرش القلوب.

وقبيل رحيله، أصر دكتور محمد عبدالوهاب، أن يصمم له أحد الفنانين تمثالاً برونزياً غاية فى الرقة والجمال ينتظر كل عشاقها أن يتم وضعه فى باحة دار الأوبرا المصرية مع بدء موسمها الجديد.