رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«زويل وصلاح» وقامات أخرى

 

 

عام 1988 فاز الروائى الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وفى عام 1999 فاز الدكتور أحمد زويل بنوبل.. الأستاذ نجيب محفوظ لم يغب عن مصر إلا ثلاث مرات ولأيام قليلة.. كان لا يحب السفر وكأنه نخلة مصرية نبتت وشبت على ضفاف النيل وعليها أن تظل شاهدة على الزمن والأحداث من مكانها.. حتى الجائزة لم يذهب لتسلمها بنفسه.. الدكتور زويل هاجر نهاية الستينيات إلى أمريكا وبدأ خطوته الأولى نحو نوبل من أول لحظة له فى هذا البلد الكبير.. خطوة كانت ربما صغيرة فى حياته ولكن بعدما يقرب من أربعين عاماً من البداية اتضح جلياً أنها كانت خطوة كبيرة فى تاريخ الإنسانية والعلم.. الأسماء كثيرة، تلك التى منحت مصر شخصيتها التاريخية الحديثة منذ قرنين ولكنى أحببت أن أتوقف أمام اللغط الدائر حول اللاعب الموهوب والعالمى محمد صلاح.. الأزمة فى حقيقتها أزمة أفكار وثقافتين على النقيض من بعضهما البعض.. صلاح شاب رائع حمل حلمه بين ضلوعه واتجه شمالاً كما فعل من قبل كثيرون فى مجالات الأدب والعلوم.. شاب بسيط ونحيل بملامح ريفية تميزه حتى بعد أن أصبح أحد أهم خمسة لاعبين فى العالم.

صلاح الرائع ليس هو لاعب الكرة الموهوب فقط ولكنه الشاب الذى اكتسب ثقافة الاحتراف وتعلم الإنجليزية بطلاقة واستوعب الثقافة الغربية التى تضع حدوداً فاصلة بين التفكير العلمى والتفكير العشوائى.. ربما يكون خطأ صلاح الوحيد فى مشكلته مع اتحاد الكرة المصرى أنه تفاءل أكثر مما يجب بعقلية ونمط تفكير مسئولى الاتحاد، وفاته أن هذا الاتحاد مؤسسة بيروقراطية عتيقة نضحت عليها كل مسالب مؤسسات الدولة المصرية برغم أن اتحاد الكرة هيئة مستقلة ترتبط فى تشكيلها وعملها بقوانين الاتحاد الدولى لكرة القدم «الفيفا».

النجم العالمى محمد صلاح وقع ضحية ما يسميه الدكتور زكى نجيب محمود «الاضطراب الفكرى» الذى لن يختفى من حياتنا إلا بعد أن نعرف الفوارق الدقيقة بين جمله ترد فى الدين وجملة ترد فى العلم.. رد اتحاد الكرة على صلاح لم يكن علمياً على الإطلاق ولكنه أقرب ما يكون لثقافة المجالس العرفية التى تضع العرف فوق القانون والخرافة فوق الحقيقة العلمية.. فى عام 1998 وقبل حصول الدكتور زويل على جائزة نوبل بعام أصدرت هيئة البريد المصرية طابعين تذكاريين أحدهما للشيخ الشعراوى والثانى للدكتور زويل، ووقتها علقت صحيفة فرانكفورتر الألمانية قائلة: «إن الشعراوى وزويل يمثلان اتجاهين سائدين فى المجتمع المصرى».

هذه الحقيقة الدامغة دفعت الدكتور زويل فى لقاء له مع الأستاذ نجيب محفوظ أن يقول له: «أنا أفهم أن يلتف الناس حولك، فأدبك معروف وسهل الفهم ولكنى أندهش من هؤلاء الذين يتركون ما بأيديهم من عمال نظافة ومارة بالطريق لتحيتى رغم أنهم لا يعرفون ماذا فعلت».. وأمام حالة الموهوب محمد صلاح فإن هناك ألف سبب لتقديره والتباهى بمصريته.. هو واحد من أهم وأغلى لاعبى كرة القدم فى العالم، وهو مصدر سعادة للملايين فى إنجلترا ومصر والعالم.. كيف يتعامل معه اتحاد الكرة بعقلية «قعدات العرب» أو كما قال صراحة الكابتن مجدى عبدالغنى فى حديث مع الأستاذ وائل الإبراشى: «كل مشكلات صلاح كان يمكن حلها فى الغرف المغلقة بدلاً من طرحها عبر وسائل الإعلام» هذا هو نمط تفكير وثقافة المجالس العرفية ولم ولن يكون أبداً أسلوباً علمياً يساعد على نجاح وتطور.. وعلى ما يبدو فإننا فى كثير من جوانب حياتنا بمصر نعمل بنصيحة «أمنحتب الثانى» مؤسس الأسرة الثانية عشرة «2600 قبل الميلاد» لابنه حين كتب له فى وصية الحكم: «استمع إلى ما سأقوله لك، حتى تكون ملك الأرض وتزيد فيها الخير: اقسُ على جميع من هم دونك - فإن الناس لا يعنون إلا بمن يرهبهم، ولا تقترب منهم بمفردك، ولا تملأ قلبك بالمودة لأخ، ولا تعرف صديقاً، وإذا نمت فاحرس بنفسك قلبك لأن الإنسان لا صديق له فى أيام الشر».