رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أدب الحجاج والزاد المفقود

 

اعتاد الرحالة دومًا على تدوين مشاهداتهم وملاحظاتهم لكل ما يصادفهم فى ترحالهم عبر أرجاء المعمورة، لا سيما رحلات الشرق الغامض الممتلئ بالسحر والأسرار، التى اتسمت إما بالطابع الدينى أو اكتشاف ذلك العالم المجهول لهم.

ومع ظهور الإسلام وانتشاره بدأت مشاهدات الحجيج تدخل بقوة إلى عالم الرحالة، لتصل إلينا مشاهداتهم حول الأراضى المقدسة فى مكة والمدينة، فتروى ظمأ المتعطشين إليها، وتلهب أفئدتهم ليجمعوا الدنانير والدراهم فوق بعضها البعض، ليتمكنوا من الخروج فى العام التالى لإتمام الركن الخامس من أركان الإسلام والتمتع بمشاهدة المعالم التى قرأوا عنها فى كتب من سبقوهم من الرحالة والحجاج.

ولم يقف وصف الرحلة إلى الأراضى المقدسة فى مكة المكرمة والمدينة المنورة عند الكلمات المطبوعة نقلًا عن الرحالة والحجاج، بل تعداه إلى وصف الرحلة بالريشة والألوان، فظهر نوع جديد من الأدب المصور على جدران البيوت فى مدن مصر وقراها، والمصحوب ببعض الأقوال والآيات والأشعار، يصف تفاصيل الرحلة المقدسة، وما إذا كان الحاج قد سلك طريق البحر أم الجو إلى بلاد الحجاز، فمشهد السفينة على جدران المنزل يعنى أنه ركب البحر، ومشهد الطائرة يعنى أنه سافر جواً، وليشهد الكافة أن هذا البيت أو ذاك فيه من وفّى بالركن الخامس من أركان الإسلام، وأصبحت تلك المشاهد المصورة لكافة تفاصيل الحج على جدران بيوت مصر المحروسة دعوة صريحة لكل من يشاهدها إلى زيارة بيت الله الحرام.

وإذا كان أدب وكتابات الحجيج فى وقتنا المعاصر لم تنل حظًا وفيرًا فى مخيلة المسلمين، فإنها قديمًا طافت الآفاق من خلال رحلات شيقة الوصف تركها لنا المقدسى وناصر خسرو وابن جبير وأيوب صبرى باشا وخير الدين الزركلى أو الرحالة الأوروبيين الذين تخفوا فى ملبس الإحرام أو زى الأعراب ليتمكنوا من دخول مكة المكرمة خلسة واكتشاف غوامضها، كجى كورتليمون الذى تمكن من تصوير مكة المكرمة بكاميرا فوتوغرافية فى القرن 19 م، فتمكن الأوروبيون للمرة الأولى من رؤية معالمها من خلال صور حقيقية.

وأتساءل دوماً: لماذا توارى أدب الحجاج عن الأنظار؟.. ولماذا لم يعد الحجاج يحملون على عاتقهم مهمة الوصف والتدوين فى وقتنا الراهن؟.. تُرى، هل ضاق وقتهم حتى أحجموا عن تدوين مشاهداتهم للأراضى المقدسة ومناسك الحج والعمرة عقب عودتهم إلى ديارهم؟.. أم أنهم هجروا القلم والمحبرة؟.. أم أن تقنيات عصر ما بعد الحداثة حملت الأمر على عاتقها؟

يبدو لى أن تقنيات العصر هى المسئول الأول عما حدث، فقد رأيت بنفسى أثناء حجى واعتمارى لهفة الحاج أن يشاركه أهله وذووه الفرحة والنشوة لحظة وجوده فى البيت الحرام، وهو ما وفرته لهم تقنيات الجوال المرئى، بل ذات يوم فتح صديق لى هاتفه الجوال ونحن بالحرم ليستمع أفراد أسرته بالقاهرة لأذان الحرم المكى على الهواء مباشرة ويشهدوا منظر الكعبة عبر جواله، وكم من الحجاج وثّقوا رحلاتهم بالصوت والصورة والرفع المباشر على مواقع التواصل الاجتماعى ليشاركهم الجميع نشوة اللحظة.

هذا ما يحدث الآن بالفعل، ومن ثم تراجع الحجيج عن تدوين مشاهد الحج ووقائعه أو وصف مآثرهم ومناسكهم، فقد أصبحت التقنيات الحديثة وما تبثه القنوات الفضائية كل عام تنقل الصورة بكل دقائقها للعالمين، واكتفى كل حاج بالاحتفاظ بعدة مشاهد ومقاطع فيديو لحجه قام بتسجيلها بنفسه.