رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

«حلا شيحة».. وتأجيح الصراع العلمانى–الإسلامي

إلى جانب البعد الذى كشفت عنه قضية حجاب الفنانة حلا شيحة وخلعه من خلاف حول فهم الإسلام على النحو الذى أوضحناه فى مقال سابق بعنوان «مدخل إلى فهم الإسلام»، كشف الأمر عن جانب آخر ربما يتطلب قدرا من التوقف عنده وهو زيادة حدة الصراع بين التيارين العلمانى والإسلامى.

ولعل تحول حلا إلى شخصية محورية فى الأحاديث المجتمعية، يكاد يتجاوز الحديث عن أزمة محمد صلاح مع اتحاد الكرة، يكشف عن حدة هذا الاستقطاب الذى حدث، على خلفية ذات بعد دينى، بسبب ما قامت به رغم أنه أمر فى النهاية من المفترض ان يكون بسيطا وهو تغيير فى نمط وشكل الزى ليس أكثر. ووصل الاهتمام إلى تخصيص إحدى الصحف حوارا معها على صفحة كاملة رغم أن شخصا جاهلا مثلى لم يكن يعرف حتى خطوة خلع الحجاب أن هناك شخصية باسم حلا سواء فنانة كانت أم غير فنانة.

وتكشف المتابعة المتأنية لردود الأفعال حول هذه القضية من خلال منصات الرأى الرسمية وغير الرسمية فى مصر عن ذلك، حيث برز موقفان أساسيان الأول مناصر لما قامت به حلا ورافض للحجاب بل ومندد به باعتباره ليس من الإسلام أو غير الإسلام وسعى هذا الطرف بكل السبل لتعزيز موقفه باستدعاء صور رموز دينية إسلامية مع بعض أفراد أسرهم من غير المحجبات، فى محاولة للترويج لصحة موقفه، وكان ذلك بشكل أساسى من خلال وسائل الإعلام المختلفة من صحف وفضائيات، فيما هاجم التيار الثانى الإسلامى بكل شراسة فكرة عدم الالتزام بالحجاب إلى الحد الذى جرى اعتبارها وكانها خروج عن الدين، وهو ما بدا من خلال مواقف بعض الشيوخ على منابر المساجد فى خطبة الجمعة، ومواقف بعض الرموز الدينية الأخرى على فضاء الإنترنت من خلال مختلف وسائل التواصل الاجتماعى.

فى تحليل هذا الأمر، يمكن القول إنه ربما تكون أسباب ذلك كثيرة، وتتطلب جهدا بحثيا خاصا فى أبعاد ما جرى فى مصر خلال العقد الأخير وبشكل خاص فيما بعد ثورة يناير. فى تقديرى وفى حدود سطور هذا المقال أن السبب الأساسى فى تنامى تلك الحالة ربما تكون تلك التحولات المتعلقة بوضع التيار الدينى فى حراك ما بعد يناير من صعود ثم هبوط.

فقد أدى تولى الإخوان الحكم والوصول إلى سدة الرئاسة إلى تسيد الشعور لدى أنصار ذلك التيار بالانتصار فى معركتهم مع الخصوم، وهو ما ظهر فى حالة من الاستقواء الفكرى لم يستمر طويلا بفعل ما جرى خلال 30 يونيو وبعدها وهو ما أدى إلى تبدل المواقع وانتقال شعور الاستقواء إلى خصوم التيار الإسلامى. وربما عزز من ذلك الشعور تحول الجماعة إلى خصم لدود للنظام بفعل ممارساتها ما أدى إلى حدوث حالة من التماهى بين الجماعة والدين، واعتبارهما كيانا واحدا، ساعد ذلك بعض رموز التيار العلمانى القح ممن يسعون لإقصاء الدين تماما من المشهد على استغلال أى موقف لمحاولة الدفع برؤيتهم وتوسيع قاعدة أنصارهم. هذا رغم أن الدولة فى معركتها مع الجماعة تبدو لصيقة بالدين والذى يمثل أحد المكونات الأساسية للخطاب الرئاسى ذاته، ما يعنى أن الشعور بالتماهى ذلك شعور مزيف لدى أصحابه من العلمانيين.

نشير كذلك إلى أنه من ملامح التحول فى العلاقة بين التيارين، على ضوء التأمل فيما يتم التعبير عنه من مواقف فى قضايا مختلفة فى السنوات الأخيرة، انتقال المرض الكامن فى التيار الإسلامى– وكان يعتبر صفة لصيقة به– وهو نفى الآخر إلى التيار العلمانى. لقد أصيب هذا الأخير بأعراض المرض الذى كان يلوم خصمه عليه، ويكاد يتحول إلى مثيله، بكل ما فيه من تطرف. وإذا كان ذلك، وفق أدبيات الكتابة فى هذا الموضوع، غير غريب عن التيار الإسلامى، بغض النظر عن مدى الصحة فى ذلك من عدمها، فإن ما يستحق لفت النظر هو بروز ذلك فى التيار العلمانى. خذ مثلا ما قدمه ويقدمه عبد المعطى حجازى من أفكار ورؤى بشأن قضية حلا شيحة والإسلام عموما.. ستجد دون مبالغة أنها تكاد توازى رؤى اسحاق رابين الذى كان يتمنى أن ينام ويستيقظ فيرى قطاع غزة غرق فى البحر.

كنت قد انخرطت فى فترة من الفترات – نهاية التسعينيات–عندما التحقت بمعهد البحوث والدراسات العربية للحصول على دبلومة فى العلوم السياسية فى اهتمام من هذا النوع انعكس فى اختيارى لموضوع بحث التخرج حول «الحوار العلمانى الإسلامي»، وهو المنطلق الذى ما زلت أؤكد على ضرورة تعزيزه باعتبار أن كلنا فى النهاية مسلمين ومسيحيين نحتفظ للدين كدين بمنزلته ومكانته، بدون ذلك لن نستطيع الحفاظ على توازننا بما لا يمنعنا من السقوط!

[email protected]