رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكاية الراجل.. أبو خط حلو!!

 

 

هبط علينا ذات مساء رجل أصلع الرأس بشكل يغيظ، فلم يكن برأسه شعرة واحدة لدرجة أن السعدنى قال له ذات مرة انت بتحلق بفاس!! هذا الرجل كان يشغل منصبًا مهمًا وحساسًا فى وزارة الرئيس السورى أمين الحافظ وهو منصب وزير التخطيط، وكان أيضًا عضوًا بمجلس قيادة الثورة وعضوًا بارزًا فى حزب البعث العربى الاشتراكى الحاكم فى سوريا ولكن بعد الانقلاب الذى وقع على الرئيس أمين الحافظ غادر كل مجلس قيادة الثورة والحكومة وزعماء الحزب بربطة المعلم واتجهوا إلى بغداد.

واكتشف السعدنى بعد الجلسة الثانية مباشرة مع الأخ إياه عضو مجلس قيادة الثورة السورى السابق أنه ليس أصلع الرأس فقط.. ولكن أصلع العقل أيضًا، فقد كان شديد الشبه بالممثل الراحل حسن فايق.. وذات يوم سألته شقيقتى أمل عن مسألة فى الاقتصاد، تتعلق بالمنحنيات وكانت أمل فى السنة الأولى بجامعة بغداد كلية الإدارة والاقتصاد وكان أصلع الرأس يشغل فى بغداد منصبًا خطيرًا وهو مدير إدارة التخطيط بوزارة التخطيط العراقية بدرجة بروفيسور وعندما أمسك الرجل إياه بأوراق أمل وأخرج نظارته الطبية وتمعن طويلاً فى الورق ثم خلعها ونظر إلى أمل وهو يسلمها الأوراق وقال: ده بالنسبة لى كلام فارغ مش من مستواى ممكن تسألى فيها الأستاذ فتحى عافية، وكان يقصد الخبير المصرى فى شئون التخطيط والذى كان يعمل معه فى وزارة التخطيط العراقية.. المهم أن هذا الرجل كان حريصًا على زيارة السعدنى بشكل دائم حتى جاءنا ذات يوم الرئيس السورى الأسبق أمين الحافظ وهمس للسعدنى بكلمة فى أذنه بعدها ارتسمت على ملامح السعدنى علامات الصدمة ونظر طويلاً إلى أمين الحافظ ثم قطع فترة صمت طويلة وهو يسأل الرئيس «وشرف أبوك؟!»، فأومأ الرئيس برأسه وهو يقول «نعم يا أبوأكرم.. مع الأسف»، وبالطبع كانت أبراج عقلى كلها تستعد للطيران من شدة اللهفة لمعرفة السر الذى باح به أمين الحافظ الذى اشتهر باسم أبوعبده للسعدنى، ونظر إلى السعدنى فوجدنى متحفزًا لسماع كل حرف وكل كلمة فى الحوار الدائر بينهما.. وساعتها أمرنى السعدنى بأن أعمل واحد شاى مضبوط لعمى أمين الحافظ.. وفريرة أحضرت الشاى حتى لا يفوتنى شىء من الأسرار المتبادلة بين الطرفين، وعندما فرغ السعدنى والحافظ من احتساء الشاى جذبه من يده ودخل إلى البيت، حيث كانت تجلس جدتى أم محمود وقال السعدنى لأمين الحافظ «أنا حاوريك حاجة عجيبة.. ست أمية لا تقرأ ولا تكتب ولكنها تفهم فى الكفت»، وقدمها لأمين الحافظ قائلاً: دى الحاجة أم محمود «أمى»، فسلم عليها أمين الحافظ بود وترحاب شديدين، ثم نظر إليها السعدنى وهو يسألها.. عارفة يا أمه مين اللى بيسلم عليك ده.. شهقت الحاجة أم محمود وهي تقول.. ده الرئيس أمين حافظ بتاع سوريا.. هو انت بتمتحنى ولا إيه يا محمود؟! وهنا خرجت ضحكة من أعماق أمين الحافظ وهو يقول: «والله ما هو معقول يا أبوأكرم شوها الحكى الحاجة متنورة.. والله أنا وزراء بالحكومة العراقية ما بيتعرفوا علىّ».. وخرج السعدنى مع أمين الحافظ إلى حديقة المنزل مرة أخرى وجلسا وأخرج السعدنى علبة سجائره الرثمان وأشعل سيجارة وسحب منها نفسًا عميقًا ونفث الدخان فى حلقات أخذت تتصاعد فى دوائر والسعدنى يراقبها وهى تتبدد فى الهواء، ثم نظر إلى أبوعبده وهو يضحك ويقول: «بقى اللى عامل أهبل ده طلع خطه حلو». فضحك أمين الحافظ بدوره وهو يقول: «أى والله خطه حلو يا أبوأكرم، وعلى العموم أنا حذرتك لأنك غالى عندى وهادا هو سبب زيارتى لك اليوم واسمح لى بالإذن يا أبوأكرم».. ولكن السعدنى أقسم ميت طلاق إن أبوعبده وهو الاسم الحركى لأمين الحافظ باعتبار أن أكبر أولاده اسمه عبده لازم يقعد يتعشى، وكانت الغلبة لأبو عبده الذى استأذن لكى ينام مبكراً كعادته دائماً، ورافقنا الرئيس السابق إلى سيارته، حيث استقبله حرسه بتعظيم سلام فى حين اختفى كل الأطفال الذين يلعبون الكورة وأيضاً صنع نفس الشىء الكبار من جيراننا سواء الرجال أو السيدات، فقد كان وجود أى موكب لأى مسئول كبير يثير الرجال فى كل مكان وركب أبوعبده السيارة وانطلق وعدنا إلى داخل حديقة المنزل والذهول مرسوم على قسمات وجه الولد الشقي، ولم أستطع أن أرفع عينى بعيداً عن السعدنى المستغرق فى التفكير، قلت له وهو يلحظ حاجتى إلى معرفة السر الذى أخذه فى عالم بعيد يفكر ويفكر على طريقة محمد عوض.. ولكن الذى حدث أن السعدنى بالفعل ظل يفكر ويفكر والغيظ يكاد يفتك بأعصابي، وهنا قررت أن أقطع الصمت وقلت: «هو فيه إيه يا بابا»، وكأنه عاد من سرحة بعيدة فقال: هه.. أعدت عليه السؤال.. فجاءت الإجابة عجيبة فقال.. روح أعمل ليّ كوباية شاي!! قلت فى سرى الله يخرب بيت الشاى واللى اخترعوه.. المهم عملت كوباية الشاى وجلست إلى جانبه على الكرويته فى انتظار الفرج الذى جاء بعد الرشفة الأولي.. فقال: «الجماعة هنا ما بيلعبوش ولا هم سذج زى ما الناس فاهمة.. دى بلد صاحية قوى تصدق عمك (....) أصلع الرأس والعقل بيكتب تقارير ويقدمها لمكتب مصر عني»!.. فى هذه اللحظة كانت الدهشة من نصيبي.. وقلت يا نهار أزرق ده آخر انسان الواحد يتصور إنه بيشتغل كده.. فنظر إليّ السعدنى وهو يقول: «بالعكس ده متوظف صح قوى لأنه أبعد واحد عن الشك.. هو ده اللى الواحد ممكن يبعبع بالكلام قدامه من غير ما يعمل حساب لأى شيء».. هنا قلت للسعدني: طبعاً انت ح تقاطع الراجل ده.. فأجابنى السعدنى قائلاً: «التفكير ده يفكره واحد خشنى زيك.. لكن المفروض إنك تقرب منه أكثر وتفهمه إنك مصاحبه على الآخر وإنك لم تكشف سره».. قلت له: بس ده خدعنا وضرنا.. فقال: «هى دى شغلته.. إنت فاكر لما أختك أمل سألته فى التخصص بتاعه اللى هو التخطيط.. طلع حمار ومش فاهم أى حاجة، العراقيين حطوه فى التخطيط «كاموفلاش» وعرفوا يستفيدوا منه فى حاجات تانية.. ده كمان بيتجسس على كل اللاجئين السوريين والعرب».. وأول وأهم حد هو مركز معاه عمك ابن الحافظ فى تلك الليلة لم يذق السعدنى طعم النوم وظل حتى أشرقت الشمس واتجهنا إلى مدارسنا وجامعاتنا، وعندما عدت فى المساء وجدت الرجل أصلع الرأس والعقل عند السعدنى ومعه أولاده وكان أحدهم قريباً لعمرى وتصادقنا وكانت هذه الصداقة جزءاً لا يتجزأ من عملية التجسس التى تجرى لحساب مكتب مصر والذى كان يشرف عليه السيد طه ياسين رمضان ومساعداه باصى وجبار.. المهم اننى من خلال هذا الشاب الذى تعرفت عليه ابن الرجل أصلع العقل واسمه «عرب» تعرفت على أبناء كل المسئولين السوريين السابقين أبناء السيد شبل العيسمى وأبناء ميشيل عفلق الأمين العام لحزب البعث العربى الاشتراكى وأكبر رأس فى الحزب الحاكم فى العراق وكان له ولدان نزار وإياد كانا غاية فى الأدب والتهذيب والمجاملة والتربية وحُسن الأخلاق، كانت تتبعهما سيارة حراسة مرسيدس بها ثلاثة مدافع رشاشة، بينما السيارة التى يستخدمانها من النوع البويك النادر الوجود فى شوارع بغداد.. وذات يوم فى أحد الأندية العراقية الخاصة بمنطقة المنصور الشديدة الرقى وكان النادى اسمه نادى الصيد وكان من رواده الكاتب والأديب المصرى صبرى موسي.. وفى هذا النادى أيضاً شاهدت بأم عينى مواطناً مصرياً يهتف بالروح والدم لصدام حسين ولحزب البعث العراقى بحماس منقطع النظير وقيل ليّ انه صحفى مصرى أصبح فيما بعد صحفياً ألمعياً شهيراً وصاحب جرائد ومواقف مع الأنظمة التقدمية وتصدر المشهد كزعيم عظيم يشار إليه بكل أنواع العملات!! أقول إننا ذهبنا بصحبة إياد ونزار ذات يوم إلى نادى الصيد وعندما دخلنا إلى إحدى القاعات قام الحرس الخاص وكأنه يهش ناموس أو فراخ بطرد الأعضاء الموجودين.. ودخلنا لنحل محلهم نحن الأربعة فقط، ومن محاسن الصدف أن أحد زملائى فى الفصل الدراسى كان من بين هؤلاء الذين تم هشهم وطردهم، ولم يكذب أخونا إياه الخبر.. فذهب إلى المدرسة فى اليوم التالى ليعلن للأساتذة والطلبة والإدارة أن أكرم السعدنى شوهد بالأمس بصحبة أبناء الرفيق المناضل الأخ القائد الأمين العام لحزب البعث العربى الاشتراكى ميشيل عفلق.. وكان رد الفعل عجيباً، فقد جاء مدير المدرسة الأستاذ صبيح يكاد يسعى على ركبتيه يسلم عليّ وأنا أحد تلامذته.. وكاد يقبل يديّ، وأبديت دهشتى من هذا السلوك غير القويم وسألت الأستاذ.. فيه إيه يا أستاذ صبيح!! فقال وهو يتمالك نفسه فى داخله بالعافية: «أى شيء تريده من المدرسة أو المدرسين أو الإدارة أو الطلبة.. العين هاى قبل العين هاي».. شكرت الرجل بشدة ومضيت فى طريقى نحو الفصل، وعندما دخلت وجدت نظرات من زملائى لم أعهدها من قبل، فقد رانت لحظة صمت رهيبة عندما تفحصت الوجوه ازداد عجبى.. المهم أننى واصلت سيرى نحو الكرسى الخاص بى بجوار عدنان عبدالعزيز وعباس وأحمد عبدالسلام وصلاح الدين حمود السعدون وكانوا أقرب الناس الى قلبى، ومال نحوى صلاح وهو يقول: «اش لون سويتها هاى؟! يعنى عملتها ازاى دى؟ فقلت له: هى ايه ديه علشان أفهم فسبنى صلاح وقال بعدها.. انت إش لون عرفت أولاد ميشيل عفلق.. قلت له: يخرب بيوتكم.. انتو لحقتوا عرفتوا؟! وهنا أجاب صلاح على كل علامات الاستفهام التى ارتسمت على وجهى بفضل مقابلة الأستاذ صبيح وجميع طلاب المدرسة، ولكن الأغرب من ذلك.. هو الطلبات المكتوبة على الآلة الطابعة التى بدأت أتلقاها من أجل التوسط لدى السيد ميشيل عفلق لكى يرتفع بالدرجة الحزبية للمدير مرة وللناظر مرة وللمعاون مرة وللمدرس مرات أخرى، هذا غير طلبات ترجو السيد ميشيل عفلق بالموافقة لطلابها بأن يجروا معه حديثاً سيرفع من شأنهم إذا ما نشر فى جريدة الحزب.. وبالطبع كنت أتلقى كل هذه الطلبات وأتخلص منها عند أقرب صفيحة قمامة فى طريقى وأنا أعد أصحابها بأن نزار وإياد سوف يعرضان الأمر على الوالد، ولم أكن وحدى صاحب الحظوة فى المدرسة بعد أن كشفوا معرفتى بأولاد ميشيل عفلق، فقد ساق أحمد عبدالسلام فى هبله وعبطه.. ، وقام ذات مرة بفك الجرس الكهربائى الخاص بالمدرسة، والذى يضرب بعد كل حصة وأثناء الفسحة وبعدها وعندما اكتشفت ادارة المدرسة ان احمد هو من قام بفك الجرس قرروا أن يعاقبوه، وعملوا معه تحقيقاً وسألوه عن السبب فى فك الجرس.. وببلاهة منقطعة النظير أجاب أنه يضوجنى يعنى يزعجنى فضحك المعاون وقال.. سوف أسحقك سحقاً يا أحمد.. وهنا هددهم احمد بأنه سيرفع الأمر الى السيد ميشيل عفلق الذى هو صديق لصديقى أكرم.. وهنا تراجع الجميع عن أى محاولة أو مجرد الفكير فى ايذاء أحمد عبدالسلام واكتفوا بأن طالبوه بعدم العودة الى هذه الأعمال الصبيانية.. وفى تلك الأيام كنا نغادر المدرسة على كيفنا وندخلها كذلك وسحنا فى أرض بغداد قطعناها ذات الشمال وذات الجنوب وشرقاً وغرباً ودخلنا كل دور العرض السينمائى وطفنا بجميع المقاهى والمطاعم الشعبية فى العراق، ولأن سلوتنا قهوة المربعة التى يرتادها المصريون هناك وبعضهم ينام فيها مقابل نصف دينار فى اليوم، وقد وقع حادث ذات يوم أصبح حديث أهل العراق جميعاً، فقد جلس مخبر عراقى على المقهى وطلب شايا فإذا به يشم رائحة غريبة من سيجارة احد العاملين المصريين فأمسك به وقاده الى المخفر ،القسم، وتحولت القضية الى المحكمة وفي النهاية حكموا على المصرى بالإعدام، لأنه دخن الحشيش واستطاع محامى الولد المصرى أن يجرجر المخبر بدوره الى طبلية الاعدام عندما قال كيف تعرف الرجل على رائحة الحشيش الا اذا كان متعاطياً له.. وبالفعل تم إعدام الاثنين!! ولم ينغص مزاجنا سوى حادث بشع وقع لصديقنا عباس فقد كنا نتسكع فى أحد الشوارع وفجأة انطلقت ماسورة حريم تبين انها مدرسة ثانوية خرجت لتشارك فى احدى المسيرات والحق اقول ان بنات العراق هن أجمل بنات العرب بلا مجاملة وقد اصابنا التيه والتوهان ونحن نبحلق فى تلك الوجوه التى لم نر مثيلاً لجمالها من قبل وهذه الشعور الداكنة السواد التى طالت حتى بلغت الركبتين وعيون المها التى ليس لها نظير فى الكون. ولكن عباس لم يكتف بالنظر ولكنه قطر احدى البنات وتطور الغزل والابتسام الى مد الأيدى فانطلقت صرخة كانت كفيلة بأن تلم علينا اصحاب الشنبات اياها وبالطبع اطلقت ساقى للريح ولم أعرف الى أين اتجهت بقية الشلة ولكننا فى اليوم التالى اكتشفنا ان عباس مقبوض عليه فى أحد اقسام الشرطة وانه سوف يمضى هناك اسبوعاً عقوبة على معاكسته للبنات ولكن بعد خروج عباس من القسم اكتشفت كم هى قاسية الاحكام والقوانين فى العراق فما حدث لعباس أمر لا يمكن لبشر أن يتحمله وهو ايضاً درس يكفى لكى لا تطلق العنان لبصرك لتعقب أى صنف من أصناف الحريم على الاطلاق.