رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

لا تحطموا القوارير «1»

رمتنى بنظرة عتاب من عينيها الواسعتين ببريقهما الذى يكاد يخبو رغم اكتحالهما بالجمال والأنوثة، وتقلصت ملامح وجهها الرقيق وهى تقول: «حتى إنتى يا طنط هتمشى ورا كلام ماما، صدقينى أنا كده مرتاحة ومش ناقصنى حاجة، بأشتغل وباقضى كل احتياجاتى وحدى، الراجل مش هيضيف لى حاجة، بالعكس، هيموتنى بالحياة ويكسر أحلامى، ويمرضنى نفسيا، ما تشوفى ماما واللى عمله فيها بابا، هى عامله نفسها ناسية، بس أنا عمرى ما هانسى».

ونجحت هى بذكاء فتاة تجيد فن التعامل وإدارة دفة الحديث لصالحها فى تحويل مجرى الكلام لمواضيع أخرى، وتركت لها عن طيب خاطر الفرصة لتفلت من الدرس المكرر بأهمية الزواج، ودور الرجل فى حياة المرأة، وهو الدرس الذى لم أعد أنا شخصيا أؤمن به للأسف فى ظل تقلص مفهوم الرجولة الحقيقى لدى كثير من الرجال، ومحورتهم لهذا المفهوم فى الذكورة أو الفحولة، دون أى معطيات أخرى من القوامة والمسئولية.. ووو.. إلخ.

وتذكرت أسبابها التى تنطلق منها لرفض الزواج، واعتبارها أن عملها أهم من الزواج، وأن سيارتها الخاصة تغنيها عن الحاجة لرجل، فهى تقفز بداخلها لقضاء كل أمورها بسهولة، دون انتظار ذلك من رجل.. زوج، وهى حتى سنوات عمرها التى تقترب من السابعة والثلاثين، لا تجد أى دافع حقيقى لأن يدخل رجل فى حياتها، رجل تخدمه، طبيخ.. غسيل.. مكوى.. تنظيف وتمنحه المزاج العالى وقتما يشاء، فيما ينظر مع كل هذا إلى أموالها، ويطالبها بأن تعتمد على راتبها ويدفع هو قليل القليل، ويدخر الباقى لنفسه، وقبل هذا تشاركه الأثاث وكل احتياجات البيت و.. و.. فلماذا إذن وجع الدماغ؟

وفوق كل هذا قد يخونها ليدمر أنوثتها وثقتها بنفسها، كما فعل والدها حين أحب أخرى وهو فى منتصف طريق الحياة مع أمها، تزوج بالأخرى أولاً سراً، لتعانى أمها ويلات الغيرة والشك، فيما ظل الأب يكذبها شهوراً طويلة ويتهمها بالشك المريض، حتى تأكدت من زواجه، فكان الفراق، لم تحتمل أمها خيانة زوجها الذى أنجبت منه ولداً وبنتاً وتفانت فى تربيتهما، ومزقت صحتها ووقتها بين عملها وبيتها لرعاية زوجها وطفليها.

لم تنس الفتاة الجميلة تلك الليالى المتكررة التى كانت أمها تغلق باب غرفتها عليها وتنهنه منتحبة حظها ووحدتها وهجر زوجها لها من أجل أخرى أصغر أو أجمل، وكم تمزق قلب الفتاة على أمها وهى تعد جنيهات راتبها كل أول شهر، لأن الأب قرر التخلى عن رعيته، وكأنه طلق طفليه مع طلاقه لأمهما، وقدم إقرارات كاذبة حول دخله ليحرم أولاده وأمهم من حقوق شرعية، وكأنه يحارب عدواً له، ويفرح بانتصاره لقهرهم، وبأنه فهلوى.

لم تنس الفتاة شيئاً من هذا كله، أن أباها لم يرها وهى تكبر، وتدخل كلية الألسن، وتتخرج لتعمل فى مجال العلاقات العامة بإحدى الشركات، ولم ير أيضاً شقيقها حين أصبح محاسبا، شربت الأم وحدها مرارهما ومرارة الحياة والوحدة، ورفضت ضغوط الأهل بالزواج مجددا من رجل يرعى طفليها، كانت تخشى من رجل غريب على ابنتها الجميلة أو أن يسىء لابنها ويكسر رجولته بإهانته لأمه أو لأخته، وهكذا عاشت أماً وأباً وعائلاً لطفليها.

وتربت الفتاة الجميلة على طعم المرار الذى كان يزداد يوميا لأمها، فقدت ثقتها بالرجال رغم ما كررته أمها على مسامعها «صوابعك مش زى بعض» مش كل الرجالة كده، لكنها فى عملها أيضاً، صادفت نفس نوعية أبيها، رجال متزوجون ويتحرشون بالفتيات الصغيرات، ومنهم من يتزوج عرفيا أو سرا على زوجته، فتعمق لديها الشعور بعدم الثقة، ولأنها تعلمت من والدتها الاستغناء عن الرجال، هى أيضاً صارت مثلها، شجرة جافة صلبة، تؤدى أى عمل يقوم به الرجال فى البيت، تركيب لمبة، ستارة، إصلاح حنفية، الوقوف مع النجار والسباك والكهربائى وهكذا.. قررت أن حياتها لا تحتاج إلى رجل.. وللحديث بقية.

[email protected]