رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو المستقبل

الشباب وجوهر السعادة (2-2)

سألت يوماً أحد الشباب النابه لعلى أسترشد بإجابته، ما هى السعادة فى نظرك وما الذى يسعدك فى هذه الحياة؟!.. فكانت إجابته صادمة لى بعض الشىء، إذ أجاب أنه يسعدنى أن أكون قادراً على تحريك الآخرين من حولى ليحققوا أهدافى الخاصة فى الحياة، وبقدر قدرتى على تحريكهم فى هذا الاتجاه دون أن يشعروا بذلك تكون سعادتى فى الحياة!.. وأضاف أن ثمة أناساً فى هذا العالم قادرون على فعل ذلك ليس فقط على مستوى الأفراد فى مجتمعهم، بل على مستوى العالم كله!.. ولما رآنى قد اتسعت دهشتى قال إنه لا يعرف من هم هؤلاء الناس بالضبط ولا يعرف كيف يستطيعون فعل ذلك وتوجيه كل ما فى العالم لخدمة أغراضهم الخاصة، لكنه يعرف أنه ذات يوم سيصبح واحداً منهم.. إنهم الأكثر ثراء والأكثر ذكاء والأكثر قدرة على الاستمتاع بأطايب الحياة.. ولم يخلق الآخرون إلا لخدمتهم وتحقيق أهدافهم.. إنه وهو معهم – رغم أنه لا يعرفهم – سيصبح الآمر الناهى، وفى ذلك تكمن سعادته وستزداد يوماً بعد يوم بزيادة قدرته معهم على التحكم فى سير حركة الحياة البشرية فى هذا العصر!

لقد حاولت مناقشة هذا الشاب فيما قال لكنه رفض الاستمرار فى المناقشة قائلاً: إن المناقشة معى لا طائل من ورائها وهى ستكون بمثابة ضياع لوقته، فهو لا يزال ينمى قدراته فى هذا الاتجاه لعله يلحق بركب هؤلاء السادة الذين يحركون العالم من خلف الستار!.. إنه يرفض مناقشتى لأنها ستكون بمثابة اتهامات له بالانتساب إلى جماعات أرى أنها جماعات عنصرية متطرفة وأنها جماعات استعلائية تنتهج نهجاً متسلطاً على عامة البشر والدول فى هذا العالم الممتد شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً!

لقد كانت هذه الرؤية العجيبة لشاب معولم من شباب هذا الزمان حافزاً لى لأتأمل نوع السعادة التى يراها لنفسه!، وهل هى حقاً السعادة التى ينبغى أن ينشدها جميع من هم فى عُمره؟!.. وإذا ما افترضنا إمكانية تعميم هذه الرؤية لتكون هى الرؤية الافتراضية للسعادة فى نظر أبناء هذا الجيل من الشباب، فمن سيتحكم فى مَن مِن البشر، وأيهم سيكون السيد حيئنذ وأيهم سيكون من العبيد؟!

تساؤلات كثيرة أخذت تترى على عقلى كان أبسطها أننى أصبحت أصدق رؤية لوتشيانو فلوريدى ذلك الفيلسوف المعاصر الذى يرى أننا نعيش بالفعل عصر الثورة الرابعة، وأن مواطنتنا أصبحت مواطنة افتراضية، وأننا أصبحنا نعيش كعقول وكأجساد شفافة فى ذلك العالم الافتراضى من المعلومات المتدفقة دون أن ندرى مصادرها ولماذا هى وإلى أى غاية تقودنا، وكيف يمكننا التحكم فيها!، وما هو طبيعة الخير منها وما هو وجه الشر فيها!

على كل حال فإنه مهما كانت التطورات التكنولوجية التى نعيش فيها، فإنها لا ينبغى أن تحجب رؤيتنا الثاقبة حينما نتساءل من نحن؟! وما الذى يسعدنا حقاً بوصفنا بشراً لنا أجساد مادية، ولنا أرواح قادرة على التحليق بعيداً عن هذا الواقع المادى؟!

إن العودة إلى الأصل والتساؤل عن الطبيعة الحقة للإنسان أياً كانت طبيعة التطورات التى عاشها ويعيشها فى هذه الحقبة الزمنية أو تلك، هو التساؤل الجدير بالإشارة إلى الصورة الحقيقية التى ينبغى أن نتوصل إليها للسعادة الإنسانية، ولا شك أن هذه الصورة لها مسلماتها التى لا يخطئها عقل متأمل، يبحث عن الحقيقة وسط كل هذه الظروف المعقدة والتطورات التكنولوجية والفراغ الفضائى اللامحدود.. ومن هذه المسلمات:

< إننا بشر نتميز عن غيرنا من كائنات هذا العالم بامتلاك العقل والقدرة على الفهم والاكتشاف والتفسير والتطوير فى حياتنا على مر الزمن.

< إن الإنسان الفرد لا يمكن أن يحيا وحده، ومن ثم فعلى علاقته بغيره تبنى الكثير من أوجه السعادة التى يشعر بها.

< إننا فى هذا العالم لنعمر لا لنخرب ويتحكم كل منا فى الآخر.

< إن أساس الاجتماع البشرى نابع من ثنائية الذكر والأنثى، الرجل والمرأة فبهما يبدأ الاجتماع البشرى من مجتمع الأسرة إلى مجتمع الدولة.

< إن الأساس الحقيقى لاجتماع البشر سواء فى علاقة الرجل بالمرأة أو فى أى علاقة ثنائية أو متعددة الأطراف يقوم على الحب وليس على الصراع.

< ومن ثم وبناء على ما سبق فإن السعادة ليست فعلاً فردياً، بل فعل تشاركى.

< إن ثمة أفقاً للسعادة البشرية لا ينبنى على علاقة البشر بعضهم البعض، بل ينبنى على علاقة إيمانية شديدة التأثير فى حياتهم هى علاقة الإنسان بخالقه ومبدع هذا الكون.

[email protected]