رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

الصحافة.. كيف ننقذها من عثرتها؟

أستأدن القارئ الكريم في العودة لاستئناف سلسلة مقالاتي عن اوضاع الصحافة المصرية التي توقفت عنها الأسبوع الماضي لمقال يتعلق بالحج كان من الصعب تأجيله، وأشير إلى أن تزايد الجدل والنقاش حول هذه القضية على مدى الفترة القليلة الماضية يعزز مطلب تناولها بالبحث الموضوعي وصولا إلى حلول تكفل توفير أوضاع مواتية للصحفيين وللمهنة ذاتها.

وفي محاولتي رصد ابعاد الأزمة التي تشهدها الصحافة في السنوات الأخيرة وتحديدا فيما بعد ثورة يناير، أضيف إلى ما سبق أن تناولناه – راجع الحلقات الأربع الماضية – بعدا جديدا أتصور أن الكثيرين يستبعدونه أو يسعون لإغفاله لحساسية تناوله، يتعلق بما يعرف في أوساط الصحفيين بـ «بدل التكنولوجيا» والذي أصبح يعتبر حتى بمقتضى الأحكام القانونية.. «حقا لصيقا للصحفيين وليس منحة من الدولة  في ضوء اكتسابه منزلة في ضمير الدولة منذ أكثر من عشرين عاما ما أدى إلى اعتباره عرفا إداريا من القواعد الراسخة في القانون الإداري لا يجوز مخالفته».

فمن المؤكد أن الراحل إبراهيم نافع نقيب الصحفيين الأسبق، حينما سعى لإقرار هذا البدل لم يكن يدور بخلده أن الأمر سيتطور في يوم من الأيام إلى ما هو عليه الوضع في الوسط الصحفي الآن، سواء من ناحية المبلغ ذاته أم من ناحية طرق الاستفادة منه. لقد بدأ البدل على ما أتذكر بنحو عشرين جنيها وكان ذلك وقتها مبلغا رمزيا يقوم على أساس دعم الصحفي لتعزيز قدراته المهنية.

ومع الوقت حدث ما يمكن اعتباره قفزات كبيرة في البدل حتى وصل خلال فترة النقيب الحالي عبد المحسن سلامة إلى نحو 1700 جنيه بقيمة إجمالية تقدر بنحو 237.5 مليون جنيه عام 2017/2018، وهي قيمة قد تختلف زاوية النظر إليها ومدى تناسبها، وإن كان قد لا يسود اختلاف كبير على أنها ربما تكون مناسبة، رغم أن هذا التصور قد لا يرضي الكثير من الصحفيين! في ضوء أن البعض منهم يطالب برفع قيمة هذا البدل على الأقل إلى نحو ألفي جنيه.

المشكلة تكمن في تطور البدل، في منظور بعض المؤسسات الصحفية ليتحول إلى ما يمكن وصفه براتب مواز بديل للراتب الأساسي، بدلا من كونه أقرب إلى الحافز، حيث يتجاوز ثلاثة أضعاف راتب بعض الصحفيين الشباب الذين يقترب راتبهم من المبلغ الذي يتقاضاه أصحاب مساعدة أو «معاش» تكافل وكرامة من المعوزين والفقراء!! وهو ما ألقى بتأثيره على قدرة ورغبة هؤلاء الصحفيين في العطاء والإخلاص للمهنة!

.  وقد انعكس ذلك في تطور سلبي آخر يتمثل في تحول البدل إلى هدف في حد ذاته بعيدا عن المهنة ومن هنا أصبح شاغل الكثير من الداخلين الجدد إلى مهنة الصحافة ليس العمل في المهنة في حد ذاتها وإنما الحصول على البدل. انعكس هذا الجانب الأخير في التحاق العديد ممن ليسوا ذوي مؤهلات تسمح لهم بممارسة العمل الصحفي – ليست مؤهلات علمية وإنما عملية – بالصحف الأمر الذي أدى إلى تدهور بل وإفساد مهنة الصحافة بفعل التغير في بنية المنتمين إليها.

وإذا كان من الممكن استثناء مؤسسات بعينها من المشاركة في خلق هذه الأزمة واستفحالها، من خلال أساليب مختلفة من بينها الوساطة والمحسوبية، فإن الكارثة الأكبر تتمثل في ممارسات صحف خاصة يقوم عليها أفراد ولا تحكمها قواعد عمل واضحة وتقوم على العلاقات الشخصية حيث كانت سببا في تفاقم أزمة دخول صحفيين غير مؤهلين بهدف الحصول على البدل مما أسهم في تردي مفهوم العمل الصحفي ذاته سواء على مستوى القدرات أو المظهر أو أية متطلبات يجب توافرها سواء في الصحفي أو في القيام على ممارسة الصحافة ذاتها.

وقد وصل الأمرإلى حد ترديد البعض أحاديث ، وهو أمر ربما توجد بشأنه أدلة أو لا توجد، عن بيع بعض هذه الصحف عضوية النقابة لمن يرغب، وبذلك تحولت إلى مؤسسات استثمارية وليست صحفية بالمعنى المتعارف عليه، مثلها في ذلك مثل مكاتب توريد العمالة المصرية للخارج. وفي ذلك يشير هؤلاء إلى وجود سعر متعارف عليه للدخول إلى النقابة يختلف ما بين صحيفة وأخرى، ما قد يعني، إذا صدق هؤلاء أن الأمر منتشر بين عدة صحف وقد يكون من الاعراف التي أصبحت ترقي لمستوى البديهة في الوسط الصحفي. والفكرة أن مشتري العضوية يقيسها بما سيحصل عليه من بدل على مدى سنوات عمره مقارنة بما دفعه، وهو مبلغ زهيد. ولعل ما يمكن وصفه بالانفجار في حجم العضوية بالنقابة خلال السنوات الأخيرة يعزز هذا التصور.

وقد كان من نتائج دخول من يمكن وصفهم بـ«مشتري العضوية مقابل البدل»، تعثر مهنة الصحافة بشكل لم تعد معه قادرة على القيام بمهمتها بشكل يرضي قارئها كما اعتادت على مدار مسيرتها التي تجاوزت القرن من الزمان!! وتلك في تصوري إحدى المشكلات التي يجب وضعها في الاعتبار إذا أردنا بحق إنقاذ مهنة الصحافة من عثرتها.

[email protected]