رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ما قبل الغروب..

 

 

تاريخياً.. تستمد الدولة قوتها من قوة مؤسساتها، ومن الملامح المخيفة والمخيبة للآمال أن تضعف مؤسسات مفترض أنها قوية بحكم طبيعتها وهيبة دورها داخل أي نظام سياسي، ومن مؤشرات هذا التضاؤل أو التراجع أن يكون على رأس هذه المؤسسة أو تلك رجال بحكم مناصبهم وبحكم ما يستمدونه من جلال المؤسسة كبار القيمة والمكانة والهيبة- فإذا بهم يصغرون أمام صغار ويرتجون القوة من شخصيات ثانوية «صعلوكية» على المسرح العام- فإذا بالصغير ينتفخ كذباً وإذا بالكبير يتقزم.. هذا التبادل المخل للأدوار يحول الدولة الى كيان سياسي ممسوخ لا يأتمنه المواطن على حياته وحقوقه والعدل المرتجى منه حين يختل ميزان العدالة على أرض الواقع.. تجربة الشعوب الأوروبية لنيل حقها التاريخي في العدالة والحرية والمساواة من قبل أكثر من قرنين كانت في حقيقتها حالة كفاح من أجل بناء دولة مؤسسات أو مؤسسات دولة لا تهتز أو تضطرب عند انتقال الحكم من جيل لآخر لأن قوة المؤسسات من جيش وقضاء وتعليم وصحة واقتصاد هي الحاكم الحقيقي والمعادل التاريخي الحافظ لصيرورة التطور دون جور على حقوق الإنسان الأساسية احتراما لنصوص دستورية راسخة.. وبقوانين التاريخ وحركة الجغرافيا تبدأ الدول في الضعف عندما تضطرب فيها منظومات القيم ويتعملق الوضيع ويرخص البديع، وتكون الكلمة للأعلى صوتاً وليس الأكثر حكمة ومنطقاً وعلماً وكفاءة.. هنا تصبح مراكز القوة في الدولة خارج مؤسساتها حيث تتجمع في قلة من الموالي أصحاب المصالح- أما العامة التي تئن من ضعف البنيان العام وإهماله لمعاشهم ومصالحهم فإنهم ظاهرياً يستسلمون لواقع الحال- وهنا يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة (القرن الرابع عشر الميلادي) في توصيف رائع لهذه الحالة « عندما تأخذ  الدول في الانهيار يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدّعون.. والكتبة والقوّالون.. والمغنون النشاز والشعراء النظّامون.. والمتصعلكون وضاربو المندل.. وقارعو الطبول والمتفيقهون.. وقارئو الكفّ والطالع والنازل.. والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون.. تتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط.. يضيع التقدير ويسوء التدبير.. وتختلط المعاني والكلام.. ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل.. عندما تنهار الدول يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف.. وتظهر العجائب وتعم الإشاعة.. ويتحول الصديق الى عدو والعدو الى صديق.. ويعلو صوت الباطل.. ويخفق صوت الحق.. وتظهر على السطح وجوه مريبة.. وتختفي وجوه مؤنسة.. وتشح الأحلام ويموت الأمل.. وتزداد غربة العاقل وتضيع ملامح الوجوه.. ويصبح الانتماء الى القبيلة أشد التصاقا.. والى الأوطان ضربا من ضروب الهذيان.. ويضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء.. والمزايدات على الانتماء.. ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين.. ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة.. وتسري الشائعات عن هروب كبير.. وتحاك الدسائس والمؤامرات.. وتكثر النصائح من القاصي والداني.. وتطرح المبادرات من القريب والبعيد.. ويتدبر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته.. ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار.. ويتحول الوضع الى مشروعات مهاجرين.. ويتحول الوطن الى محطة سفر.. والمراتع التي نعيش فيها الى حقائب.. والبيوت الى ذكريات والذكريات الى حكايات..) .. اللهم اجعلنا من المدركين لغفلتهم والنابهين لصحوتهم..