رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

يارب عيد...!

أقف بين زحام الأجسام الصغيرة، أمد يدى بقرش او قرشين عندما يحين دورى، أتلقف فى لهفة الحزمة الخضراء ذات الرائحة والملمس الندى، أحتضنها فى قوة وحرص حتى لا تتناثر أعوادها، أهرول عائدة، أصعد درجات السلم على عجالة قبل أن تلمحنى أمى فتأخذ منى الحزمة ، أفتح الباب الفاصل بين السلالم وسطح البيت، وقبل أن ادلف إليه، أجده قد شب على قدميه الخلفيتين فى لهفة، وبدأ يختطف منى أعواد البرسيم او أعواد الذرة الخضراء كيفما تصادف له الرزق، أعشق مراقبته، وهو يلتهم الأعواد فى نهم من يدى حتى يلمس فمه اللزج أصابعى فأرتجف للحظة، وأعاود إطعامه، كان لعبتى التى أتنافس أنا وإخوتى على التسلية معه أشهرًا قليلة حتى يحين موعد أجله.

فى تلك الدقائق التى كنت لا أرغب فيها، أختبئ بعيدًا حتى لا أرى السكين وهو يعمل فى رقبته وجسده، كنت أسمه «مأمأته « وكأنه ينادينى ..يستغيث بى ، ويعتبرنى «خائنة» العشرة، وأعتقد أن أمى بذلت الكثير من الجهد لتقنعنى بأن ذبح صديقى الخروف « حلال» ، لكن ابدًا لم اقتنع من داخلى بذلك ، وكنت أفضل أن نشترى خروفًا ليلية العيد، ونذبحه فى الصباح فلا يكون بيننا عشرة ولا لعب ولا ذكريات ...وبالتالى بلا ألم فراق.

وبذاكرتى الطفولية كنت أنسى وإخوتى حزننا على فراق خروفنا، ونحن نلتهم لحمه بشهية مفتوحة مع صينية الفتة أو مفرومًا داخل صينية الرقاق، ونتسابق لنحمل القطع منه الى الجيران والأقارب وإلى الواقفين على الباب من الفقراء ، كان الفقراء فى زمن جيلى ليسوا كثيرا ، ولا أعرف لماذا ، أو لعلهم كانوا يتعففون حتى نحسبهم أغنياء على النقيض مما يحدث الآن بعد أن تحول الفقر إلى حقيقة بشعة غالبة فى بلدنا، كما احترف اخرون ادعاء الفقر، وباتوا يطاردوننا فى كل ميدان وشارع.

كان  أبى يصر أن عيد الأضحى عيد «لحمة» وليس للملابس الجديدة كعيد الفطر ويكفى تدبير ثمن الخروف من راتبه البسيط، الا أن أمى بحنكتها وطيبتها التى كانت تطرح البركة فى راتب أبى ليكفى سبعة أبناء أكل وشرب وكسوه ومدارس وكل شيء، كانت تصر ان تشترى لنا ملابس جديدة فى عيد الاضحى، بما تدخره كست بيت واعية، أو بـ«جمعية» كانت تشترك فيها مع الجيران استعدادًا لتلك الظروف، فتكتمل فرحتنا ولا نحرم أيضًا من عيدية مهما كانت بسيطة.

اللمه ..الأقارب ..الجيران ، الاصدقاء ..الفته  .. «الرقاق»  الملابس الجديدة ..العيدية , مكونات لسعادة تامة كانت تجعلنا نحلق كالفراشات بين الزهور، ليترك العيد بأنفسنا أجمل ذكرى وفقًا لأغنية صفاء أبو السعود « سعدنا بيها بيخليها ذكرى جميلة لبعد العيد .

الآن ..جيلى الذى عاش تلك الذكريات العذبة فى الأضحى ، أين تلك الأعياد منا الآن، جيلنا يبحث عن العيد فلا يجد له أثرًا حقيقيًا ، الأولاد أو الأحفاد «طايرين» فى الشوارع ، لا يهمهم خروفًا ولا أضحية ، وكتر خير الدنيا لو تم دفع تمن الأضحية كصك عبر الجمعيات المؤسسات الخيرية لتنوب عن الأسر فى الذبح والتوزيع ، الخراف الصينى الصوف حلت محل الحقيقية ليتهادى بها الأحباء ، وكأنه « فلنتاتين الأضحى» ، الأبناء والأحفاء لا يبالون بملابس عيد ولا عيدية ، فالملابس تأتيهم فى اى وقـت ومصروف جيب اى منهم فى اى يوم يعادل راتب أبى «رحمه الله»  فى زمانى الماضى ، لمة العائلة أوحتى الأسرة  ليس لها وجود ويعتبرونها مجاملات « فيك» أى مصطنعة ، فلا داعى لها لأنها مضيعة لوقتهم و«خنقه » لهم  ، وإن حدثت ، سيشاركون فيها بوجه « خشب « فاقدًا للبسمة والسعادة ، ويكفى درءًا للنكد  التهنئة الإلكترونية او حتى عبر رمز « الأيموجى « .

يقبع أبناء جيلى من الطبقة الوسطى وما فوقها على تلال الذكريات ، يتأملون ما مضى ..لن اقول بحسرة ، بل فى متعة ..فلم يتبق لنا سوى الذكريات نلوكها لنحتمل جليد المشاعر فى علاقات الأبناء باسرهم ..جليد جعل فرحة الأعياد باهتة ..

يا رب التمس منك فرحة عيد حاضره ..وان افتقدتها ..سأعود للماضى لأفرح ..وكل عام وأنتم طيبون .