رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

مفهوم الحج العقلى عند «التوحيدي»

 

تكاد الكتابات والدراسات التى تناولت شخصية أبو حيان التوحيدى ( 310 – 414 هـ / 922 - 1023 م) وفكره تتفق على أن مفهوم الحج العقلى هو من نبت أفكاره الخاصة دون غيره وأنه ورد فى سياق كتاب له بذات العنوان « الحج العقلى إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي». وفى ظل حقيقة أن الكتاب قد ضاع ولم يصلنا منه الا العنوان وعدم وجود أى نسخة منه، فإن هذه الكتابات تختلف اختلافا بينا بشأن ما كان يقصده التوحيدى نفسه بمفهومه ذاك، وفى الموقف من التوحيدى على خلفية هذا المفهوم تحديدا ومجمل فكر التوحيدى بشكل عام.

فمنهم من اشتط فى هجومه على التوحيدى بسبب الكتاب وما ورد فيه إلى حد إدخال صاحبه فى إطار الزنادقة ومن هؤلاء إبن الجوزى الذى كان بالغ القسوة حين راح يؤكد على أن زنادقة الإسلام ثلاثة إبن الريوندى وأبو حيان التوحيدى وأبو العلاء المعرى معتبرا أن أبا حيان أشرهم على الإسلام لأنهما صرحا بزندقتهما فيما لم يصرح هو بذلك. فيما احتفى آخرون بالتوحيدى وراحوا يعيدون له الإعتبار وعلى رأس هؤلاء الكاتب الجزائرى الراحل محمد أركون الذى يكاد يتماهى مع شخصية التوحيدى وفكره.

فماذا كان يقصد التوحيدى بالحج العقلي؟ هل هو شيء أقرب إلى فكرة الإسراء والمعراج والرأى الذى يميل إلى أنها كانت بالروح لا بالجسد أم ماذا؟ وما أهمية هذا التصور؟ التفسير الوحيد الذى قدم باستفاضة فى هذا الشأن هو ذاك الذى جاء فى سياق كتاب لأركون بعنوان «نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية» ويقوم على أنه فى رأى التوحيدى أن المسلم إذا لم يكن يمتلك القدرة المادية على أداء الحج بإمكانه أن يحج وهو فى بيته. كيف؟ عن طريق الروح والفكر والعقل فقط يمكنه أن يذهب إلى مكة بالروح والإيمان فالحج هو بالنية الصافية والمقصد الروحانى وليس بالضرورة بأداء الطقوس الشكلانية المعروفة.

وحسب هذه الرؤية لمقصد التوحيدي، فإن الشيء المهم فى الحج والصلاة والصوم وبقية الشعائر ليس الحركات الجسمانية من قيام وقعود وطواف وإمساك عن الطعام وإنما هو المغزى الأخلاقى الروحانى العميق الذى يربض خلف كل ذلك، فقد يحج المرء ويؤدى جميع الطقوس بحذافيرها يوميا ولا يكف مع ذلك عن الغش او الأذى أو الإساءة بمجرد عودته من الحج بل إن الحج قد يزيده صلفا وغرورا وثقة بالذات فيمعن فى ارتكاب الأخطاء معتقدا أن ذنوبه ستغفر له كلها لمجرد أنه حج وقد لا يؤدى الإنسان أى طقس من الطقوس ومع ذلك يظل أخلاقيا فى تصرفاته ومحبا للعدالة والحقيقة وفاعلا للخير قدر المستطاع فأيهما المتدين الحقيقى يا ترى؟

ربما يرى البعض أن أمثال هؤلاء يهدفون إلى المروق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وربما يكون لدى هذا البعض كذلك حججهم التى يدعمون بها رؤيتهم بعيدا عن مستوى التشدد الذى بدا به ابن الجوزى مثلا، غير أن الدين كما يقول البعض ليس نصوصا فقط وإنما أيضا واقع، والواقع يقول بعيدا عن التوحيدى أو غيره إن الفضاء المكانى أصبح يضيق بالحجاج المسلمين رغم كل الإجراءات التى تقوم بها المملكة السعودية لتنظيم عملية الحج والحد من أعداد الحجيج. فهل يجوز بناء على هذا الواقع وانطلاقا مما يمكن تسميته بفقه الواقع أن يسعى المسلمون لأن يقدموا رؤى جديدة بشأن الحج فى سياق الإسلام، وإعادة موضعته بين الشعائر الخمس، صحيح أنه يأتى فى المرتبة الأخيرة بعد الشهادة والصلاة والزكاة والصيام، غير أنه فى وجدان المسلم يحتل مرتبة ربما تتجاوز ما أراده الشارع لها، وهو ما يبدو فى مجموعة مظاهر ربما ليس هنا مجال التفصيل فيها.

هل يجوز للمسلم مثلا إذا شعر أن هناك من يستغل مكانة هذه الشعيرة لديه فيسعى لابتزازه على خلفية محوريتها بالنسبة له وأنها تدخل بناء على ذلك فى عداد السلع ذات الطلب غير المرن والتى لا يؤدى رفع سعرها إلى الحد كثيرا من الإقبال عليها، أن يعيد النظر فى أدائها، هل للمسلم ألا يقدم على الحج إذا رأى أن تكلفة حجه ولتكن مائة ألف جنيه مصرى مثلا، تكفى بمعايير الجمعيات الخيرية، لكفالة مائة ألف يتيم؟ هل للفقه أن يقدم لنا تصورات جديدة تتيح تفكيك الزحام الذى يزيد عاما بعد عام، على نحو يصعب معه تخيل ما سيؤول إليه وضع أماكن الشعائر المقدسة؟ لكل ذلك أتصور أن واقعنا يقتضى منا أن نعيد ولو بعض الاعتبار للتوحيدى أيا كان فكره!

[email protected]