رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العرب وإيران وتركيا (1-2)

 

 

وجهة نظر جديرة بالدراسة للصديق عالم الآثار المصرى د. أحمد الصاوى يقول فى العصور القديمة كانت الصراعات بين الجيران تدور للسيطرة على الأرض وشهدت الأراضى الممتدة ما بين الهضبة الإيرانية وهضبة الأناضول وما يقع شمالهما صراعات قبلية سرعان ما أصبحت بحكم التطور الحضارى - الثقافى صراعات بين أمم وشعوب، ولعل أبرزها تلك الحروب التى انغمست فيها إيران القديمة ودويلات المدن اليونانية ورأينا الإسكندر الأكبر يهزم دارا ويمزق إيران إرباً قبل أن يجتاح تلك الأصقاع وصولًا للهند.

واستمرت تلك المواجهات حتى بعد تحول بيزنطة للمسيحية وكانت منطقة الشام وتخوم العراق مسرحاً لصدامات وظفت فيها القبائل العربية لخدمة أحد الطرفين وفى واحدة من تلك الحروب دخل الساسانيون القدس وسرقوا صليب الصلبوت بمساعدة اليهود ولما كانت الكره للبيزنطيين بعد بضع سنين (كما جاء فى سورة الروم) أخرج اليهود من القدس ومنعوا من السكن فيها وهو أمر أصر صفرونيوس بطريرك القدس على أن يكون ضمن شروط تسليمه المدينة للفاروق عمر بن الخطاب.

أما صراعات إيران مع قبائل «توران» أى القبائل التركية التى كانت تسكن السهوب الآسيوية ما بين الصين شرقاً وبلاد ما وراء النهر (أوزبكستان حالياً) غربًا وتعد الشاهناما مرجعًا أدبيًا هامًا يحوى الحكايات الشعبية حول العداوة القديمة بين إيران وتوران.

ولما كانت إيران وتوران قد تحولوا جميعاً نحو الإسلام فقد اكتسبت المواجهات طابعاً «مذهبياً» يبرر الحرب بين الإخوة فى العقيدة لا سيما أن الأتراك دخلوا الإسلام على المذهب الحنفى الذى لم يشترط قرشية الخليفة وتعصبوا لهذا المذهب ودخلوا هم والمغول أبناء عمومة الترك فى أشكال من الصراعات المذهبية مع الشيعة فى الأقاليم الإيرانية وهو أمر أدى لاحقًا لأن تصبح الدولة الصفوية دولة شيعية وأجبر أهل السنة وكانوا أغلبية السكان على التحول للتشيع عقب مجازر حقيقية وخاصة فى تبريز وبات التشيع قريناً للقومية الإيرانية فى مواجهة «السنة التورانية» وهذا أمر يشابه بشكل أو بآخر ردة فعل الأتراك ضد الأرمن المسيحيين أثناء الحرب العالمية الأولى.

هذا الأمر ظل يشكل جزءاً من تاريخ وتوجهات العثمانيين إلى أن توجهت حركتهم غرباً نحو أوروبا وانتهى الأمر فى الحرب العالمية الأولى بهزيمتهم وظهور الجمهورية التركية على أراضى الدولة البيزنطية القديمة.

وبحكم الترابط بين «تركيا أتاتورك» ودول حلف الأطلسى وبين «إيران البهلوية» وحلف الأطلسى على خلفية العداء للاتحاد السوفيتى من جهة والعداء لحركة التحرر العربية ذات الطابع القومى حدث التقارب بين الجارين اللدودين فلكلٍ منهما أطماعه المباشرة فى أراضى العرب المجاورة (العراق والخليج من جهة إيران وشمال سوريا من جهة تركيا) وهما معاً تريان فى ظهور كيان عربى موحد خطرًا استراتيجيًا على سلامة واستقرار الدولتين ولا عجب أنهما تمتعا بعلاقات سوية مزدهرة مع الكيان الصهيونى وترافق مع انهيار نظام الشاه وظهور الجمهورية الإسلامية بنزعتها «لنشر الثورة المذهبية» فى مجالها الحيوى بروز التيار الإسلامى فى تركيا، بدءًا من أربكان لينتهى الأمر بسيطرة «العثمانيين الجدد» فى تركيا ووفقاً للسيناريوهات التقليدية كان من المقرر أن يشتعل الصراع بين الجارين اللدودين ولكن العكس هو الذى حدث وسيستمر لأمد ليس بالقصير، وللحديث بقية.