رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكاية وطن

واحد صعيدي

الناس أصبحت كثيرة الشكوى ويعتبرونها فضفضة تساعدهم على الراحة النفسية، فى الأتوبيس كان واحد صعيدى فى طريقه إلى محطة مصر قاصداً العودة إلى بلدته بعد قيام أسرته بإبلاغه أن مستأجر نصف الفدان ملكه قرر فسخ عقد الإيجار لعدم حصوله على عائد من وراء قيامه بزراعته بعد ارتفاع قيمة رى القيراط إلى عشرة جنيهات، بمعنى أن تكلفة رى نصف الفدان فى المرة الواحدة 120 جنيهاً!  وأنه سيضطر- أى المستأجر- إلى بيع «دهب مراته» لاستكمال تكلفة زراعة نصف الفدان بالقصب، المزارع الصعيدى أبودم خفيف، جعل ركاب الأتوبيس يضحكون لدرجة الكركرة بالصوت العالى، مرة على لهجته المحببة إلى قلوب أبناء بحري، ومرة على  حاله الذى وصفته سيدة بأن شكوته تقطع القلب، توقف الصعيدى عن الكلام ولكنه نكأ جرحاً غائراً فى كل الركاب الذين دخلوا فى نوبة فضفضة وكأنهم فى عيادة طبيب نفسي، وقف أمامهم وطلب منهم الحديث عما يشعرون به، الكلام معظمه عن الأسعار التى ضربت فى العالى فى كل شيء، من سلع غذائية الى سلع معمرة، إلى الوقوف فى الطوابير طوال اليوم لقضاء المصالح التى تراكمت على الأسرة، أحد الركاب قال: وزعت الست والأولاد على عدة طوابير فى الأسبوع الماضى وأنا معهم، والتقينا فى المساء واكتشفت، أن معظم مصالحنا مخلصتش.

وذكر الراكب انهم كانوا زبائن، على طوابير قيد المواليد فى بطاقات التموين، واستخراج شهادات ميلاد من الأحوال المدنية، وسداد الضريبة العقارية، وصرف المرتب من ماكينة ATM، وأمام فرن العيش للحصول على خبز التموين،  وفى مكتب التنسيق للتقديم لآخر العنقود، وفى محطة السكة الحديد لحجز تذاكر سفر، وضحك الراكب وقال الطابور الوحيد الذى لا  نملك الوقوف فيه هو طابور الجزار، هو طابور مش زحمة قوي، لكنه مش من مستوانا! قلنا نقف فى طابور الفول والطعمية زحمة شوية لكنه ميعورش الحبيب!

الكلام كتير، والشكاوى تملأ زكايب، ولكن جميع الركاب كان كل واحد ينتهى من عرض جانب من همومه يقول الحمد لله، قادر يحول العسر إلى يسر.

الشكاوى ظاهرة صحية، وطرحها فى وسائل المواصلات بهذه البساطة يعنى أن  هناك حرية، ونظام يسمح بالانتقاد، ولا يلجأ إلى تكميم الأفواه، لأنه يعلم أن الظروف الاقتصادية بالفعل صعبة على الناس، ويتحملونها بصبر، وهذا النظام قوى يعلم أنه يتعامل مع الوضع الاقتصادى بمشرط جراح، لأنه لولا هذا التدخل الجريء فى الإصلاح الاقتصادى لكان البلد انهار اقتصادياً، وضاع اجتماعيا وشكاوى الناس مقدرة من النظام الذى صارحهم بأن الأوضاع ستكون صعبة وستنفرج قريباً، وتبدأ عملية تحسن الأوضاع تدريجياً والمرور من هذه الأزمة، والشكاوى عكس الشائعات، لأن الأخيرة هدفها الهدم وليس التوجع وطرح الهموم، مروجو الشائعات يقصدون هدم البلد، ويحرضون الشعب على الدولة من وراء فبركة الشائعات.

الذين يفضفضون نتيجة الظروف الاقتصادية هم مواطنون يشعرون بالجهد الذى يبذله النظام لتوفير الحياة الكريمة لهم، أما الذين يروجون الشائعات لا يرون إلا الظلمات، وهؤلاء مصيرهم يتشدوا من قفاهم لأن فى مصر جهاز أمن مصحصح، يفرق من خلال تحليلاته بين الذين يحاولون البناء والذين يسعون للهدم.