رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

يارايحين للنبي الغالي... هنيالكم وعقبالي

 

 

أمانة الفاتحة يا مسافر لـمكة .. تـــــــــــأدي فــــــــــرض الله

هترجع والإله غافر ذنــــوبـــك .. لمــــــــــــا نـــــــــلت رضــــــــــاه

يا ريتني معاك في بيت الله .. وأزور وياك حبيب الله

هنيــــــــــــالك وعقبـــــــــــــــــــــالي .. يـــــــــــا رايحـــــــين للنبي الغالي

ما أجمل ما عبر به أبو السعود الإبياري وبيرم التونسي وغيرهما عن تعلق أفئدتنا بالحج وشوقنا لمناسكه، التي يقفز أثناءها قلب المرء بين ضلوعه فرحًا بإتمام الركن الخامس من أركان الإسلام، أيام نشهد فيها نسمات الرحمة والمغفرة، وتهليل الحجاج وتلبيتهم على عرفات يثلج صدورنا، بل لا أبالغ في القول إنني كل عام أجلس أمام التلفاز متابعًا حركة الحجيج يوم عرفات مستمتعًا بالتهليل والتكبير والتلبية، وكأني لم أشهد الحج قط، ما أسعد تلك اللحظات وأنت تهلل وتكبر وتلبي لله وَجِلًا، فرحًا بلقائه، لا تدري إلا وصوتك يعلو ويلبي، وكل من حولك فرحين مستبشرين؛ حيث وحد الله بين المسلمين بتلبية واحدة لا يختلف عليها اثنان... أتذكر ذاك المشهد جيداً وقد ركبت الحافلة من عرفات إلى المزدلفة، التي لا نعلم أين تقع، إلا بعد أن توقفت الحافلة، فإذا بنا نلمح في الأفق مآذن مسجد الخيف الواقع بعرفات، وكأن الوصل لم ينقطع بيننا وبينه طيلة النهار والليل.

أخذت وأنا جالس بمِنى، بعد أن رمينا الجمرات، أسترجع كيف جاهد النبي صلى الله عليه وسلم، كي يوحد العرب على دين واحد، وتلبية واحدة: «لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك... إن الحمد والنعمة لك والملك... لا شريك لك»، أخذت أتأمل رحلة كفاحه ليقضي على الشرك، ويعود بالعرب إلى وحدانية الله، وكيف تمكن من تطهير الحرم الشريف من الأوثان...قصة طويلة دارت بخلدي.

نعم، لقد عرفت العرب الحج الإبراهيمي الصحيح، الذي علم إسماعيل عليه السلام مناسكه لهم، والذي يكاد يتفق مع مناسك الحج عند المسلمين، غير أن الأمر حاد عن مساره عبر قرون مرت بالعرب، فقد «َكَانَ الَّذِي سَلَخَ بِهِمْ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَان وَالْحِجَارَة أَنه كَانَ لَا يظعن من مَكَّة ظَاعِنٌ إِلا احْتَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَصَبَابَةً بِمَكَّةَ، فَحَيْثُمَا حَلُّوا وضعوه وطافوا بِهِ كطوافهم بالكعبة تيمنًا مِنْهُم بهَا وصبابة بِالْحرم وحبا بهَا، وَهُمْ بَعْدُ يُعَظِّمُونَ الْكَعْبَةَ وَمَكَّةَ وَيَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ عَلَى إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ؛ ثُمَّ سَلَخَ ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى أَنْ عَبَدُوا مَا اسْتَحَبُّوا وَنَسُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَاسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل غَيره، فعبدوا الأَوْثَانَ وَصَارُوا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الأُمَمُ مِنْ قَبْلِهِمْ»؛ وكانَ عَمْرَو بْنَ رَبِيعَةَ الأَزْدِيُّ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنَصَبَ الأَوْثَانَ وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ وَحَمَى الْحَامِيَةَ؛ وانتشرت أصنام اللات والعزى وهبل ومناة وغيرها بين العرب.

ومن الطريف هنا ما يحكى عن صنمي إساف ونائلة: «أَنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ رَجُلٌ مِنْ جُرْهُمٍ يُقَالُ لَهُ إِسَافُ بْنُ يَعْلَى وَنَائِلَةُ بِنْتُ زيدٍ مِنْ جُرْهُمٍ وَكَانَ يَتَعَشَّقُهَا فِي أَرْضِ الْيَمَنِ فَأَقْبَلُوا حُجَّاجًا فَدَخَلا الْكَعْبَةَ فَوَجَدَا غَفْلَةً مِنَ النَّاس وخلوة فِي الْبَيْتِ فَفَجَرَ بِهَا فِي الْبَيْتِ فَمُسِخَا فَأَصْبَحُوا فوجدوهما مسخين فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما فعبدتهما خُزَاعَة وَقُرَيْش وَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ بَعْدُ مِنَ الْعَرَبِ».

وجاء الإسلام، ليظهر الحق على الباطل، ويعيد البشرية إلى نور الله، ويدخل محمد ([) مكة المكرمة ليفتحها يوم الفتح العظيم، فيعفو ويسامح، ويحمل بيده الشريفة قدومًا ليحطم الأوثان المنتشرة حول الكعبة، مرددًا: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا»، ويبقى الشوق كل عام لزيارة النبي الغالي... هنيالكم وعقبالي... كل سنة وأنتم طيبون.

كاتب وأستاذ أكاديمي