رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

(نحو المستقبل)

التعليم بين التطوير والتغريب!

مما لاشك فيه أن تركيز الدولة هذه الأيام على دعم وتطوير النظام التعليمى فى مصر وخاصة بعد إعلان الرئيس 2019 عاماً للتعليم شيء كان الجميع ينتظره ويتمناه إعمالاً لنصوص الدستور وتأكيداً على إدراك الجميع لأهمية التعليم والبحث العلمى فى قيادة وصنع التقدم وتنمية البشر. لكن اللافت للانتباه أننا نتجه فى عملية التطوير إلى صورة فسيفسائية متعددة الألوان وغير متجانسة! إذ يتم التركيز الآن على نقل التجربة اليابانية بحذافيرها فى التعليم العام ليصبح لدينا المدارس اليابانية إلى جانب المدارس الفرنسية والألمانية والإنجليزية والأمريكية وغيرها من المدارس الأجنبية الموجودة فعلا، فى الوقت الذى يتم فيه نقل التجارب العالمية متعددة الجنسيات فى التعليم الجامعى بنفس الطريقة، حيث أصدر البرلمان مؤخرا قانوناً خاصاً بإنشاء الفروع للجامعات العالمية المختلفة فى مصر، كما أن ثمة توجهاً لعدم الموافقة على إنشاء جامعات خاصة جديدة إلا إذا كانت لديها اتفاقيات توأمة مع جامعات مصنفة عالمياً!

والسؤال الذى يلح على هو: هل هذا هو الطريق الصحيح لتطوير نظمنا التعليمية؟! أيهما الصواب: هل الأفضل استدعاء الجامعات الأجنبية إلى مصر أم الاستفادة من نظمها التعليمية فى تطوير نظامنا المصرى؟! هل كان الرواد الأوائل للتعليم الجامعى المصرى على خطأ حينما أصروا على خلق نظام تعليمى مصرى متطور ووضعوا نصاً فى قانون تنظيم الجامعات يؤكد أن اللغة العربية هى لغة التدريس ويجبر الأستاذ الذى عاد من بعثته على ترجمة ما درسه بالخارج والتدريس باللغة العربية؟ أم كانوا يدركون بحق أن توطين العلم وخلق البيئة العلمية الدافعة للاهتمام بالعلم والبحث العلمى لا يكون إلا بقيام المتخصصين بترجمة العلوم وإتاحتها سواء للدارسين المتخصصين أو للمهتمين بمتابعة التطور العلمى ونشر الثقافة العلمية بوجه عام؟!

إن المدارس العلمية المصرية فى مختلف التخصصات كانت فى ظل ذلك النظام تنافس عالمياً وكان من خريجيها أولئك العلماء العظام من أمثال على مصطفى مشرفة وعلى إبراهيم ومصطفى نظيف وغيرهم فى مجال العلوم الطبيعية والرياضية وأحمد لطفى السيد وطه حسين وغيرهما فى مجال العلوم الإنسانية.

والحقيقة أن إنشاء هذه الفروع المختلفة للجامعات الأجنبية تحت مسمياتها الغربية سيزيد نظمنا التعليمية تعقيداً وتغريباً ويزيد شبابنا عزلة وتمييزًا كما سيؤثر سلبًا على انتمائهم الوطنى.

إننا بهذه الطريقة التى تستدعى النظم الدراسية ومناهجها المختلفة من الغرب والشرق سواء فى المدارس أو فى الجامعات من شأنها إضعاف الثقة فى المدارس والجامعات الحكومية خصوصاً والمصرية عموماً ومن ثم لن يقبل عليها الطلاب مهما طورت من نفسها، كما أن الكوادر الفنية والخبرات التدريسية والعلمية المتميزة ستسارع إلى الانتقال إلى هذه الجامعات الجديدة لأنها بالطبع ستعطى مرتبات أكبر وستوفر بيئة تعليمية بإمكانيات أكبر وأكثر حداثة. ألم يكن من الأجدى التركيز على تغيير قانون تنظيم الجامعات الحالى لتعظيم استقلال الجامعات علمياً وإدارياً ومالياً وإعطائها فرصة تطوير نفسها ونظمها التعليمية بما يتوافق مع سرعة التطورات العلمية المعاصرة دون الرجوع إلى اللجان التقليدية فى المجلس الأعلى للجامعات الذى يعد بنظمه الروتينية سبباً فى جمود وتنميط الجامعات المصرية وعدم قدرتها على الحركة السريعة لملاحقة التطورات العلمية فى كل التخصصات العلمية وتخليق نظم تعليمية جديدة ومتطورة تجتذب أكبر قاعدة طلابية ممكنة من المصريين وغيرهم، وكذلك ألم يكن من الأجدى تعديل الكادر المالى لأعضاء هيئة التدريس وتحسين بيئة عملهم فى الجامعات القائمة وإلزامهم بالعمل داخل كلياتهم ومعاملهم كل الوقت وفى إطار نظم محددة للجودة والاعتماد المحلى والدولى ترفع من مستوى جامعاتنا وتؤهلها للمنافسة عالمياً.

إن التطوير شيء والتغريب الذى تتجه إليه نظمنا التعليمية شيء آخر؛ لقد كنت أتوقع وأفضل أن يكون التطوير نابعاً من الحفاظ على الهوية المصرية والعربية للتعليم المصرى فى كل مراحله وإلغاء دخول المصريين ضمن منظومة التعليم للمدارس الأجنبية ليقتصر القبول فيها على جنسيات أصحابها المقيمين فى مصر. فهل يمكن أن نعيد النظر فيما نحن بصدد التحذير منه وأن نعيد طرحه للنقاش العام؟ أتمنى ذلك.

[email protected]