حكاية وطن

موسم اصطياد الفاسدين

لم يحالفنى الحظ أن ألتقى رئيس الحى، اتصلت به وطلبت ميعاداً، وحدده هو من جانبه، وعندما توجهت إليه لم أجده، وقالت لى السكرتيرة يمكن يكون عند البيه الباشا اللواء المحافظ، فلم أهتم وأنا الذى قابلت رؤساء دول، ونصف رؤساء برلمانات الكرة الأرضية على الأقل، لدرجة أننى تسببت فى طرطشة صلصة الديك الرومى على بدلة على عبدالله صالح رئيس اليمن، عندما استضاف الوفود البرلمانية العربية التى كانت مجتمعة فى صنعاء وقتها فى قصره، وكنت مرافقاً للوفد البرلمانى المصرى وخلال العزومة تطوعت بتقطيع الديك الرومى وكان الرئيس صالح يمر للترحيب بالضيوف، وفجأة طار جزء من الديك على جاكيت الرئيس فضحك وقال بالهنا والشفا.

وأستطيع أن أسرد مواقف كثيرة مع شخصيات دولية وعربية ومصرية، ولكن لم أعرف شكل رئيس حى فى حياتى، قبل عملى بالصحافة، ولا بعد اشتغالى بمهنة البحث عن المتاعب،  حتى خلال تغطيتى للحوادث الكبيرة مثل الحرائق الموسمية التى كانت تندلع فى بعض الشركات والمصانع فى موسم الجرد، وتخلف خسائر بالملايين لم أجد رئيس الحى فى هذه المواقع ورسمت له صورة من خيالى ولم يدر بخلدى أن يكون رئيس الحى مرتشياً بعد سقوط عدد من رؤساء الأحياء فى بئر الرشوة، اكتشفت أن لهم موسماً يظهرون فيه، يطلق عليه موسم سقوط رؤساء الأحياء، وتساءلت بعد السقوط المتوالى للسادة رؤساء الأحياء: ألم يتعظ رئيس حى الهرم مما حدث لزميله رئيس حى الدقى، والأخير لم يتعظ مما حدث لرئيس حى الموسكى ورئيس حى أول أكتوبر، ورئيس  حى الرحاب ورئيس  حى التجمع الخامس ورئيس حى روض الفرج ورئيس حى دار السلام ورئيس حى منشية ناصر، طبعاً السابقون هؤلاء المرتشون غاصوا فى وحل الرشوة وباعوا ضمائرهم وأخلوا بواجباتهم، وخانوا الثقة التى وضعها فيهم المسئول الذى اختارهم أو أنه سوء اختيار منه، وبعد هذا السقوط المتتالى لعصابة المحليات أتوقع أن تؤجل حركة المحافظين لأجل آخر  حتى يتم تطهير هذا القطاع ويتم تشكيله على نظافة، فهناك مرتشون آخرون فى الطريق، ولكن ما يدعونا للتساؤل عن موسم سقوط رؤساء الأحياء هو: لماذا يتركز المرتشون فى محافظتى الجيزة والقاهرة، وهل سيكون لهم تأثير على الثقة فى محافظى الإقليميين عند صدور حركة المحافظين؟

الفساد لم يقتصر على رئيس الحى، فهناك نواب رئيس حى ومدراء تنظيم وموظفون، وتستطيع أن تتعرف على أدوارهم عندما تكون هناك حملة على الباعة الجائلين أو المقاهى، تجد أحدهم يرسل صبيانه لمعارفه ينصحهم بإزالة الإشغالات من الشارع لأن فيه حملة، ويقبض المعلوم، والحملة تعدى فتجد كله تمام، ولكن هذا كوم وما حدث من مساعد رئيس حى منطقة راقية كوم تانى، هذا المساعد ناصح جداً، فقد حول الرشوة إلى مرتب شهرى من باب التيسير والتخفيف على الراشى صاحب كافيه يقع فى الحى الذى يعمل هذا المرتشى مساعداً لرئيسه، فاتفق مع صاحب الكافيه بأن يحصل منه على ثلاثة آلاف جنيه فى الشهر كدخل ثابت له مقابل إبلاغه بموعد الحملات، وأخبره بأنه عندما يعطيه رنة واحدة من التليفون يطمئن ويفتح المقهى وعندما يرن له رنتين يقفل المقهى لأن الحملة ستمر.

أما سكرتير  نائب محافظ فاشتغل فى الرشاوى الجنسية، فهذا تخصص نادر، ووجد فيه غايته وطلب من سيدات لهن مشاكل مع الحى زيارته فى شقته.

هناك أمل أن تنظف المحليات، ولكن الأمل ليس كافياً، لابد أن تكون هناك رغبة قوية وعزيمة وإصرار لهد جبل الفساد.

وهذا يحتاج إلى وقت ورغم  ذلك ليس كل رؤساء الأحياء فاسدين، فهناك شرفاء يتمسكون بشرف الوظيفة والمسئولية، ولكن الحسنة تخص والسيئة نعم.