رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحوال مصرية

عزرائيل.. فى شارع الحلوى

فى سنوات الطفولة المبكرة كنا ننام على صوت وابور الجاز فى الدقيسى - غرفة السطح - وكان النوم يحلو سريعا مع سماع حكايات امنا الغولة والشاطر حسن والساحرة الشريرة، ورغم اننا نعلم انها قصص اسطورية لاتمت للواقع بصلة، الا اننا ألفناها وتعودنا عليها حتى كادت تصبح طقسا يوميا. وفى احدى المرات تناهى الى سمعى كلمة عزرائيل، ولما استفسرت عرفت انه ملك الموت ومفرق الاحباب وهازم اللذات، لا ادرى حقيقة لقد انقبض قلبى حين سمعت اسم ملك الموت لاول مرة، ولم اكن ادرى ان القدر سيتيح لى التعرف على نشاط عزرائيل شخصيا ربما مبكرا وقبل الاوان.. جاء ذلك فى العام 1967 وقبل هزيمة يونية بعدة اسابيع، كل ما اذكره اننى فرحت بانتهاء العام الدراسى فى سنة اولى ابتدائى لبدء الاجازة والاستمتاع بلعب الكرة والخروج وممارسة كافة هواياتى المفضلة مثل لعب الحقاق والسيجة وسلطح والسلم والثعبان وغيرها،وما ان عدت الى المنزل حتى خلعت ملابسى وخرجت بالملابس الداخلية للعب الكرة وحدى، كان الوقت ظهيرة والشمس حارقة وفجاة توقفت عربة جيش على راس الشارع فلم التفت اليها، فى تلك اللحظة خرج الضابط كمال البوقى من منزله المجاور لمنزلنا، مودعا اهله للذهاب الى الجبهة فى سيناء، وما ان رائنى بهذه الهيئة حتى نهرنى بصوت عال قائلا : اذهب الى المنزل وارتدى ملابسك ثم ألعب.

 كان والدى فى المنزل وشكوت له ماحدث فابتسم وقال : الضابط كمال له له حق طبعا، ثم خرج للسلام عليه واخذ الضابط كمال بالاحضان ثم رحلت عربة الجيش واختفت عن الانظار، بعدها باسبوعين او ثلاثة اشتعلت الحرب وسمعت نداء : طفى النور.. الحقيقة اننى اصبت بالقلق وخرجت الى سطح منزلنا العالى فى شارع الحلوى واخذت اتطلع الى السماء ابحث عن اجابة لما يحدث، تضاعف خوفى فى الايام التالية مع سماع صوت الطيران الاسرائيلى يرتع فى سماء قنا، كان الطيران منخفضا وشاهدت فى احدى المرات نجمة داود الخضراء على احدى طائرات الفانتوم الاسرائيلية الصفراء، ورغم صغر سنى وقتها الا اننى عرفت اننا هزمنا وان اسرائيل انتصرت فى الحرب ولم اكن بالطبع اعرف حجم الكارثة، حتى جاء اليوم المشئوم حين جاءت عربة جيش اخرى تبلغ اسرة الضابط كمال باستشهاده على الجبهة.

 فى تلك اللحظة عرفت قسوة الموت ورحيل الاحباب مع صوت النساء اللائى ذهبن الى ام كمال لتعزيتها فى ابنها الضابط الشهيد كمال وهن يرددن كلمة واحدة فقط " بووووووه " لم اجد مافعله سوى الذهول والحزن والصمت، وقد احزننى اكثر بكاء حمدى وجميل شقيقا الشهيد كمال وهما اصدقائى، وكنت كلما حاولت مواساتهما وجدتهما يبكيان بحرقة، اما ام كمال فقد كادت تجن من فرط حزنها ونحيبها على ابنها الراحل.. منذ تلك اللحظة كرهت اسرائيل وعزرائيل.. رحم الله الضابط الشهيد كمال البوقى واسكنه فسيح جناته.