رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

( نحو المستقبل )

ولنا فى التجربة الصينية دروس..

 

 

(4) من (4)

إن قوة النموذج الصينى تكمن – كما كشف تشانغ وى - فى أنه فور التوصل إلى إجماع وطنى وتحديد الأهداف يعمل النموذج الصينى بكفاءة أكبر من النموذج الغربى. إن الصين دولة حضارية عريقة معروفة بتاريخها الطويل الاستثنائى الذى يقوم على الوحدة رغم التعدد وسمات تحضرها عديدة.

وإلى جانب المبادئ التى تشكل فى واقع الحال جوهر الشخصية الصينية منذ فجر التاريخ، فإنه على مدى آلاف السنين امتلكت الصين ثقافة سياسية تتسم برؤية طويلة المدى ونظرة شمولية لفهم السياسة الداخلية والخارجية، ومن هنا لم يقبل الصينيون بنمط الديمقراطية الفردية الغربية، فكل السلالات الحاكمة المزدهرة فى تاريخ الصين ارتبطت بوجود دولة قوية ومستنيرة. وهذا ما يتمثله الآن الصينيون فى حزبهم الشيوعى (CPC) فهو ليس حزبًا بالمفهوم الغربى، بل يواصل التقليد الطويل لكيان الحكم الكونفوشى الموحد الذى يمثل أو يحاول تمثيل مصالح المجتمع ككل».

وهذا النمط السياسى الفريد يرتبط به نظام اقتصادى فريد لم يكن «اقتصاد سوق» على وجه التحديد بل «اقتصاد إنساني» يربط التنمية الاقتصادية بالحكم السياسى وتحسين معيشة الأفراد.

إن النموذج الصينى للتقدم والتنمية قام على لاءات ثلاث أطلقها الزعيم الصينى الشهير دنغ شياو بينغ هى «لا تقلدوا الغرب، ولا تقلدوا الدول الاشتراكية الأخرى، ولا تتخلوا أبدًا عن مزاياكم». ومن ثم بنى هذا النموذج على ثمانية خصائص: أولها : المنهاج الفكرى القائم على الممارسة وهو البُعد الفلسفى المميز للنموذج الصينى الذى يستخلص الحقائق من الواقع. وثانيها : الدولة القوية المركزية ذات الحكومة المركزية التى تعد رمزًا ودعمًا لوحدة البلاد. وثالثها : إعطاء الأولوية دائمًا للاستقرار فالنموذج الصينى يقوم على « المئات من الدول فى دولة واحدة » ورابعها: الاهتمام بمستوى معيشة الشعب فالنموذج الاقتصادى الصينى هو الاقتصاد الموجه للشعب باعتباره هو أساس الدولة وعندما يكون الأساس ثابتًا تكون الدولة فى سلام. وخامسًا: الإصلاح التدريجى إذ لا يعتمد الإصلاح الصينى على الإصلاح الجذرى أو ما يطلق عليه الإصلاح بالصدمة كما فى النموذج الغربى، بل يعتمد على التدرج الذى يقوم على التقدم المتواصل والتصحيح الذاتى المستمر ويتحقق بتراكم العديد من المبادرات. ولا يعنى التدرج هنا البطء لأن هذه الاستراتيجية فى الإصلاح التدريجى يتم تنفيذها بكفاءة عالية فى منطقة بعد أخرى. وسادسها : التمييز الصحيح للأولويات، فقد تم الإصلاح من خلال الانفتاح التدريجى وبتسلسل واضح حيث بدأ بإصلاح المناطق الريفية أولًا ثم المناطق الحضرية، إصلاح المناطق الساحلية أولًا والمناطق النائية ثانيًا، الإصلاح الاقتصادى أولًا والسياسى ثانيًا، ومعظم مبادرات الإصلاح لم تكتمل من المرة الأولى بل كانت الوتيرة غالبًا «خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الخلف» ومع ذلك ظل الإصلاح مستمرًا وتم الانتهاء منه تمامًا بتراكم العديد من مبادرات الإصلاح وتجريب تنفيذها. وسابعًا: الاقتصاد المختلط الذى يجمع – كما هو معروف – بين النظام الاشتراكى الذى اشتهرت به الصين والنظام الرأسمالى، ويعبرون عن هذا الخليط باقتصاد «اليد الخفية» و« اليد الظاهرة» وهو خليط من اقتصاد قوى السوق مع سلطة الدولة واندماج لمبادئ اقتصاد السوق مع الاقتصاد الإنسانى كما سبق أن أوضحناه. وثامنها : الانفتاح على العالم الخارجى.

لقد حقق هذا النهج الصينى عبر هذه الأسس الثمانية الأهداف الكبرى وأصبحت الصين دولة قوية مستقرة قادرة على التقدم المطرد متجهة إلى تحقيق السيادة والريادة فى دورة حضارية جديدة عبر سياسة هادئة قوامها يستند على الرؤية الكونفوشية القديمة، سياسة الانسجام والاعتدال أو بتعبير الكونفوشيين أنفسهم «الانسجام مع وجود الاختلاف» فهل سيشهد المستقبل القريب تتويجًا لهذه السيادة. وماذا نحن فاعلون إزاء ذلك، وهل يمكن أن نتعلم دروسًا حقيقية من التجربة الصينية التى لخصها تشانغ وى فى جملة « نهضة دولة متحضرة »، فنحن نملك تقريبًا نفس السمات ولكننا نفتقد أمرين، هما : الاستقلالية وإرادة الفعل، فهل آن أوان سد النقص والسير قدمًا نحو «نهضة دولة متحضرة » جديدة تملك نفس المقومات والتاريخ الحضارى فى تاريخ الإنسانية ؟! نتمنى ذلك وربما نكون فى الطريق إلى تحقيق ذلك بالفعل بإرادة سياسية واعية وتماسك شعبى هائل وإمكانيات متزايدة للتعاون المثمر مع كل الأطراف الفاعلة فى العالم المعاصر.

 

[email protected]