رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سطور

التزوير ما بين يوليو والتصحيح (١)

إذا أردت أن تلغي شعبًا؛ فلتبدأ بشلّ ذاكرته التاريخية - ثم تشوِّه ثقافته - وهنا سأضع خطًا بل خطوطًا حمراء ـ وتجعله يتبنى ثقافة أخرى غير ثقافته، ثم تلفق له تاريخًا آخر غير تاريخه وتعلمه إياه، عندئذ ينسى هذا الشعب: من هو؟ ومن كان؟ وتندثر معالم حضارته، وبالتالي ينساه العالم ويصبح مثل الأمم المنقرضة.

كنت قد قرأت تلك الكلمات -الخطيرة المضمون- لوزير الخارجية الأمريكي «كوردل هل» (1933 - 1944م ) وقد توقَّفْت عندها، وأخذت أفكر فى الأمر، وأعتقد أنها ستكون مدخلًا جيدًا لمقال اليوم، والذي أردت أن أتحدث فيه عن (محاولات تزوير التاريخ والرموز)، وخاصة تلك المحاولات  الرخيصة المتداولة الآن لتشويه تاريخنا والعديد من رموزنا المصرية.

ولعل أول ما قد يتبادر إلى أذهاننا من سؤال عند مناقشة هذا الموضوع -الهام للغاية والخطير كما أشرنا فى البداية- هو «لماذا يتم السعي من بعضهم وراء ذلك بالأساس؟!» وببساطة يمكننا أن نستدعي الإجابة الحاسمة من المقولة السابقة للوزير «كوردل هل»؛ خاصةً تلك الجزئية  التي قال فيها : «وينسى الشعب من هو؟ ومن كان ؟ وتندثر معالم حضارته»!

نعم، هذا هو المراد تحديدًا! المراد من محاولات تزوير تاريخ الأمم! فعندما لا يعرف الإنسان من هو الآن؟ ومن كان في الماضي؟ يصبح كالورقة المقطوعة الفارغة التي يسهل كتابة أي شيء عليها، أو الإلقاء بها في الفضاء تتطاير لبعض الوقت وتتقاذفها التيارات المختلفة قبل سقوطها على الأرض!

ولعل أيضًا في حلول الذكرى السادسة والستين لثورة يوليو في الأيام الماضية هو ما جعل هذا الموضوع يستحوذ أكثر على جزء كبير من تفكيري، ويستفز مشاعري بشكل ملِحٍّ؛ فقد باتت وكأنها موسم سنوي من ضمن المواسم التي ينشط فيها ترويج الأكاذيب والشائعات، وتزوير وتشويه التاريخ ورموزه.

وللأسف قد ساهم في زيادة وسرعة انتشار تلك المحاولات وسائل التكنولوجيا الحديثة والتواصل الاجتماعي، مثل: فيسبوك، تويتر، إنستجرام، ...إلخ؛ مستغلة بالطبع حالة انخفاض الوعي، وانتشار الفوضى المعلوماتية، وعشوائية التفكير لدى طبقات عريضة من مستخدمي تلك المواقع.

فمنذ أن قامت ثورة 23 يوليو سنة 1952م، وفي مثل هذا اليوم من كل عام، ونحن نشهد ونعيش نفس السيناريو تقريبًا؛ حيث ننقسم على أنفسنا فى ظل حالة من الاستقطاب الشديد الذي تزداد حدته عامًا بعد الآخر، وفي بكائية درامية على اللبن المسكوب؛ ما بين تفخيم وتعظيم وتقديس من جانب البعض، وكلمات من جنس أن «ثورة يوليو كانت نموذجًا فذًّا للتقدم والتحرر والوحدة القومية، ليس فى مصر وحدها، ولا العالم العربي فحسب، بل ودول العالم الثالث جميعها». وعلى الجانب الآخر لا تجد من بعضهم  إلا اللعن والسباب والتحقير وهم يُسمعونك كذلك كلمات من جنس أن ثورة يوليو «لم تكن إلا تجربة سجون ومعتقلات، وطمسًا للوعي، وإهدارًا لإنسانية الإنسان، ... وما إلى ذلك من هزل». والأمر ينطبق كذلك تماما على رموز قادت ثورة يوليو، وعلى رأسهم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

وكلا الفريقين أو الرأيين -على تناقضهما- ينتهيان بنا دائمًا إلى نتيجة واحدة مؤسفة للغاية، هي العمل على محو أو طمس الوعي الصحيح لهذه الثورة، وإشاعة مجموعة من التصورات الزائفة حولها.

ولحديثنا بقية نستكملها فى المقال القادم بإذن الله.