رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نور

ذكرى غزو الكويت.. هل تنفع المؤمنين!

< غدًا 2 أغسطس.. هل تتذكر ما يعنيه هذا التاريخ؟! إنه اليوم الذى يوافق ذكرى غزو القوات العراقية لدولة الكويت فى عام 1990، وتحول الوضع الإقليمي إلى أسوأ مراحله، وتراجع مؤشر القوة العربية، وتفكك المنطقة فى مواجهة الأطماع الغربية المتكررة للحصول على البترول مجانًا، والوصول إلى الدفء على حساب المضيف وصاحب المحل، وتحول المنطقة إلى ملعب مفتوح لألعاب تجربة السلاح والنفوذ السياسى والعسكرى للدول الكبرى!! غدًا يوافق ذكرى سقوط المنطقة فى دائرة أكل الذات والتهام الجسد الواحد، بسبب غياب الديمقراطية، وتفشى الاستبداد، وتعطيل المراقبة، وحبس الرأي الآخر، ووأد المعارضة الوطنية، وطغيان التصفيق والتهليل والتسبيح بحمد الحاكم، إما نفاقًا وإما خوفًا!

‏ فى مثل هذا اليوم قبل 28 عامًا صحونا جميعًا على كارثة غير متوقعة، وهى غزو العراق لدولة الكويت والاستيلاء عليها بقرار من الرئيس الراحل صدام حسين، بعد مناوشات استمرت عدة أشهر حاول خلالها الرئيس العراقى الضغط على الكويت، وابتزازها، للحصول على إيرادات عدة آبار مهمة للبترول بعد انخفاض أسعار النفط ، بالإضافة إلى أنه اتهم الكويت بأنها جزء من مؤامرة لتخفيض أسعار النفط مما ألحق بالعراق خسائر كبيرة نتيجة الفروق في السعر.. وبدعوى أن الكويت، كانت جزءًا من العراق، أطلق صدام حسين على الكويت خلال تصريحاته أثناء الأزمة مسمى «المحافظة العراقية رقم 19» ليصبح التهديد صريحًا وواضحًا، ورغم محاولات الرئيس المصرى الأسبق حسنى مبارك، التحرك لإنقاذ الموقف، والتقائه صدام حسين، ثم سفره للكويت لطمأنة الأمير الكويتى، إلا أن صدام حسين التهم الكويت بعد ساعات من رحيل «مبارك»، لتواجه المنطقة أسوأ نتائج الحكم الفردى فى تاريخها، بعد كارثة النكسة فى 5 يونيو 1967!!

< غزو الكويت لم يكن سببه خلافًا بين دولتين، بقدر ما كان نتيجة لتهور حاكم، كان يخوض الحروب، وكأنها نزهة، وكان يتحرش بجيرانه، تنفيذًا لأهداف لا يعرفها غيره، فخاض حربًا ضروسًا مع إيران استمرت ثمانى سنوات، وقتلت خيرة شباب بلاده، وأفلست العراق الذى كان يحتل المركز الأول فى معدل إنتاج البترول، ليخرج من الحرب بلا موارد، مكبلًا بالديون، لينظر حوله، فيجد دول الخليج المجاورة له، تتقدم اقتصاديًا واجتماعيًا وتعليميًا، ووجد العراقيين متذمرين، منهكين، غاضبين بلا صوت، بسبب الحرب والاستبداد، فكان قراره المنفرد، بغزو الكويت، لتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ المنطقة، ويبدأ مخطط تدميرها ذاتيًا!!

< صدقنى.. مثلما كان الاستبداد هو سبب الغزو، كان الاستبداد أيضًا هو سبب تدمير العراق فيما بعد تحرير الكويت، وهو نفسه السبب الذى تسبب فى اندلاع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وهذه الأسباب جميعها هى السبب فى استيلاء إسرائيل على الأراضى العربية، فيما بعد 1967، ورغم أن جميع المثقفين يعرفون أن هذا الطريق نهايته معروفة، إلا أن كثيرًا منهم شجعوا الحكام المستبدين وشجعوهم على المضى قدمًا فى تطبيق نموذج الحكم الفاشل الذى ينتهى دائمًا بكوارث لا تنتهى بمرور السنين، وتدفع الأجيال المتعاقبة ثمن تطبيق هذا النموذج!!

< بعد تحرير الكويت بعدة سنوات وتحديدًا عام 1998، مررت بتجربة مهمة، فقد كلفنى الأستاذ الكبير الراحل جمال بدوى، رئيس تحرير الوفد الأسبق، بمهمة صحفية فى العراق، ومرافقة وفد من الشخصيات العامة والفنانين المصريين، لدعم الشعب العراقى الذى يعانى من الحصار الأمريكى لحدود العراق، مما أدى إلى نتائج كارثية، صحية واجتماعية، وبالفعل، استمرت المهمة أسبوعًا كاملًا- تقريبًا- شهدت فيها نتائج حكم الفرد، شعب يسير بجوار الحائط، فى ظل حياة قاسية، وحكومة فى وادٍ آخر، لا تهتم بالناس وتفكر فى النجاة من المصير المجهول.. أتذكر أننى قابلت فى أحد شوارع بغداد أحد المواطنين الذى استوقفنى، عندما رآنى أقف أمام أحد باعة الكتب، وأتحدث إليه باللهجة المصرية، ويبدو أن مظهرى كان يبدو عليه أننى زائر سريع، فقال لى جملة غريبة، قال: «من مصر.. أهلًا بيك.. وحشتونا.. أنتم البلد اللى بنحبها بجد.. بلد (نجيب محفوظ) و(أم كلثوم) و(عبدالوهاب)» قطعًا تقدمت له بكل الشكر..ولكننى لاحظت أنه لم يتكلم فى السياسة خوفًا ورعبًا وكان يلتفت حوله باستمرار، ولكننى صدقته عندما أبدى حبه لمصر!!

< على الجانب الآخر.. كان المسئولون مشغولين بالمفاوضات مع الأمم المتحدة والأمريكان، لكى يسمحوا لهم ببيع البترول مقابل منتجات يحتاجها العراق، وكان طلبهم يقابل دائمًا بالرفض، وكان المسموح به فقط هو «النفط مقابل الغذاء» وأتذكر أن وزير التعليم العراقى قابل الوفد المصرى واشتكى لهم أن اللجنة الدولية المكلفة بالتفاوض مع العراق ترفض شراء العراق للأقلام الرصاص التى يستخدمها طلاب المدارس لأن المادة العضوية الموجودة داخلها يمكن استعمالها فى طلاء الصواريخ!!

< الخلاصة.. يجب أن نتذكر تاريخ غزو الكويت.. ونتدارس أسبابه.. ونتعلم أن الاستبداد لا يصنع مجدًا للأمم، بل يضعها فى قلب الطوفان.. يجب أن نتذكر دائمًا أن الديمقراطية هي الطريق الوحيد للتقدم.. وهى السبيل لصناعة المستقبل.. تذكروا كارثة غزو الكويت؛ لأن الذكرى دائمًا تنفع المؤمنين!!

[email protected]