رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

صحفيون .. وأصحاب مهن لا داعي لذكرها!!

شعر صديق عزيز لي بالغضب الشديد مما كتبته الأسبوع الماضي بشأن مقالة «صحفي وسائق أوبر».. وقد كانت غضبته، وهو الحليم الذي يقول فيه المثل «اتق شر الحليم إذا غضب» قوية إلى الحد الذي أشعرني بالخطأ، بشكل وددت معه أن اعتذر له رغم أنه لا ناقة له ولا جمل في المعركة وإنما عبر عن غضبه على خلفية مبدأ محدد وهو عدم الإساءة لفئة من الفئات ليس لها أي ذنب في أن ننال من وضعها أو نشعرها بالدونية حسب قوله.

ورغم أنني حاولت أن أوضح موقفي ورأيي لصديقي والذي يعمل صحفيا في الإمارات، إلا أنه من الواضح أنه اعتبر الأمر وكأن الرصاصة قد خرجت من مسدسها ولا مجال لعودتها، أو التراجع عن تأثير خروجها.

شخصيا أدعي أنني أحاول الحرص على مشاعر الآخرين إلى أقصي حد ممكن، وموضوعيا فقد دعوته وأدعو القارئ إلى الاحتكام لما جاء في المقال، والذي ليس فيه بأي حال من الأحوال أي إساءة لأي أحد سواء سائقو أوبر أو غيرهم، وأن الأمر لم يستهدف في أي الأحوال سوى الإشارة إلى مفارقة تتعلق بصديق صحفي دعته ظروفه المادية السيئة – كما هي ظروف العديد من الصحفيين - إلى البحث عن عمل يسد به حاجته بالحلال فكانت فكرة العمل كسائق أوبر.

ومصدر الغرابة الذي كنت أود أن أشير إليه هو البعد ما بين المهنتين بعد ما بين المشرق والمغرب! فضلا عن أن الفكرة تتوافق مع أساسيات العمل الصحفي الذي يقوم على الاهتمام بالغرائب أكثر من الاهتمام بالعادي من الأحداث.. والمثال التقليدي هنا أن لا خبر في أن يعض كلب رجلا، ولكن الخبر الذي يستحق النشر هو أن يعض رجل كلبا.

ومن هنا فلا غرابة في أن يعمل الصحفي مترجما أو قائما على التعاون مع دار نشر، أو مستشارا إعلاميا لمؤسسة من المؤسسات، ولكن الغرابة أن يعمل بائعا لكروت الهاتف في محطات المترو، والإشارة إلى ذلك ليس فيه تقليل من بيع كروت الهاتف ولكن عرض لمفارقة. تخيل أن طبيبا ورث مهنة النقاشة خلال فترة دراسته عن والده فقام بعد التخرج والعمل كطبيب في مستشفى بممارسة مهنة النقاشة بعد الظهر لن تتواني عن ذكره كمثال قائلا : طبيب ونقاش، دون أن يعني ذلك التقليل من النقاش، أو ذلك المهندس الذي استهوته السباكة فأصبح يقبل مقاولات سباكة ليكون في هذه الحالة مهندس سباك، دون أن يكون في ذلك تقليل من السباكين!

بالمصادفة البحتة نشرت جريدة الأهرام منذ أيام خبرا يعزز المعني الذي أردت الإشارة إليه عن ثلاث طبيبات بيطريات قررن أن يقمن على مشروع جزارة فهل في أي إشارة إلى أنهن طيبيات جزارات أي تقليل من الجزارين؟ إطلاقا!

بعيدا عن كل ما سبق، فإن الواقع الذي تنامى إلى علمي بعد كتابة ما كتبته الأسبوع الماضي كشف لي عن أنه أكثر وطأة مما رفضه صديقي الحالم الذي يعيش في الخارج، فقد قابلت بالصدفة صديقا صحفيا لم ألتقه منذ سنوات وبعد السؤال والتحية علمت أنه يعمل في تجارة المواشي إلى جانب عمله الصحفي.. عادي .. آخر يعمل في تربية الأرانب لتزيد من دخله.. ليس هناك مشكلة.

الأكثر من ذلك أنني فوجئت بشباب صحفيين مثل الورد يعلنون بكل فخر على صفحتهم على الفيس بوك – دون حساسية صديقي الذي في الإمارات – اعتزامهم إقامة مشروع «أكل بيتي» لكي يزيدوا من دخلهم وفي مواجهة الأزمة المادية التي يعيشونها بسبب ضيق أجواء الصحافة كمصدر للدخل. ليس ذلك فقط بل لديهم آمال بأن يتسع المشروع وفي حال نجاحه تطويره إلى مستوى أكبر، ولم يتواروا خجلا كما يتوارى الحريصون على المظاهر من دعوة من يعرفهم إلى تشجيعهم والشراء منهم.

وأقول لصديقي: من قال إن الشغل عيب في .. «أوبر» أو في المواشي أو في بيع الكروت، أو حتى في «الأكل البيتي». لا أحب أن احتل موقع الواعظ غير أن الأمر يدعونني للقول العيب هو أن يلجأ المرء إلى طرق غير مشروعة لمواجهة احتياجاته المادية، وطالما الصحفي أو غيره يجتهد لكي يواجه متطلبات الحياة بالحلال فلا غبار عليه، أما الشكليات المتعلقة بالتقليل من شأن تلك الفئة أو غيرها، فأمر لا يجب أن يجرنا لمعارك جانبية تلهينا عن القضية الأصلية وهي تدهور أوضاع الصحفيين، الأمر الذي سيتفاقم على خلفية ظروف عديدة في الفترة المقبلة، وذلك قد يكون موضوع حديثنا القادم إن شاء الله.

[email protected]